مع أولى خطواتي على الأراضي البلجيكية وجدته يهرع الي يعرض خدمات لا حصر لها بالحاح من يطلب المساعدة وليس من يقدمها, عرفت من اللحظة الأولى انه مصري ومن الواضح انه اختارني من بين الجميع لأنني أيضا مصري.
اختطف مني حقيبتي في لحظة وقال بالعامية المصرية : عنك.. عنك,.. اوقفلك تاكسي ؟!
وقبل أن أجيبه كان قد أوقف السيارة الأجرة ودفع بحقائبي داخلها , وقف ممسكا ببابها الخلفي المفتوح قائلا: اتفضل
توجهت الى حيث يشير وانا ادس يدي في جيبي اخرج له بعض (البقشيش) وكانت دهشتي كبيرة عندما وجدته يقبض على ساعدي يمنعني مما هممت به ولكن ليس أكبر من دهشتي عندما وجدته الى جواري في مقعد السيارة الخلفي يسألني وقد اشار للسائق بالانطلاق: سعادتك نازل في فندق ايه؟؟
كانت المرة الأولى التي اغادر فيها مصر ولم يكن ينقصني شخص مثله ليزيد ارتباكي بدأت اتوجس ودارت الشكوك في رأسي ومع ذلك نطقت كلمتي الأولى وأخبرته باسم الفندق فاعاده بصوت مرتفع وبلكنة ركيكة جدا على مسامع السائق الذي اومأ برأسه في صمت بعدها عاد رفيقي المجهول لسيل حديثه : محسوبك محمود. انا شفتك شكلك كده متلخبط... انت اول مرة تسافر برة صح؟؟.. ايوة باين عليك .. أنا قلت لازم اساعدك انت ممكن يتنصب عليك هنا؛ انت عارف الخواجات مالهمش أمان ،والغريب اعمى ولو كان بصير وولاد البلد لبعضيهم بردو
اومات برأسي مأخوذا وانا اقول في نفسي "اشعر انه لن ينصب علي أحد غيرك"
- محسوبك عارف بروكسل شارع شارع وحارة حارة ودبة النملة متستخباش عليه تأمر تلاقيه سداد في أي حاجة
كان الفندق قريب من المطار ووصلنا سريعا جدا سبقني طبعا الى الحقائب وسلمها لأمن الفندق وقبل ان تصل يدي بالمال للسائق كانت يده تعترضها وفي لمح البصر كان قد أعطى السائق أقل من نصف المبلغ وقال وهو يطرح الباقي في راحتي: مش قلتلك هيتنصب عليك
تركني عند مدخل الفندق ورحل رافضا للمرة الثانية أن يأخذ مني اي نظير لخدماته وبدأت اشعر بارتياح تجاهه
*****
سبقتني حقائبي الى غرفتي, التي حجزتها الجامعة باسمي, لأني قضيت عدة دقائق في حديث مع (ادوارد) موظف الاستقبال الذي زار مصر في طفولته كما أخبرني وخلال هذه الدقائق صرنا صديقين ودعاني الى منزله في نهاية الأسبوع ووعددته أن ألبي الدعوة
في غرفتي فتحت احدى حقائبي وأخرجت جلبابا مصريا واسع الأكمام وملابس تحتية,..أخذت حماما دافئا خلدت بعده الى نوم عميق حتى الصباح التالي
- بونجور مسيو معتز
بهذه العبارة التي حملت الكثير من الترحيب الصادق بدأت صباحي فكان وجه ادوارد أول وجه (أصطبح) به وهو في الحقيقة وجه يدعو للتفاؤل. توجهت نحوه مادا يدي مصافحا اياه فصافحني بحرارة ثم مال نحوي وأشار نحو رجل يجلس على مسافة امتار قليلة وقال انه ينتظرني من ساعتين.
تذكرت محمود الذي كنت قد نسيت أمره تماما وكنت متأكدا أنه هو وليس غيره رغم أنني لم ار إلا قمة راسه من داخل الفوتيه , لابد انه جاء يواصل عروضه السخية والتي ستكون مدفوعة الأجر هذه المرة , من المؤكد أنه لا يقدم خدماته هكذا بلا مقابل وأن شهامته تلك لم تكن أصيلة وانما من باب (جرّ الرِّجل) ليس اكثر.
فكرت أن أتجاهله بل وان أتجنبه وخطرت ببالي فكرة خبيثة ان اطلب من ادوارد ان يأمر رجال الأمن باخراجه بالقوة, أكره هذا الأسلوب في الابتزاز . ولكني تراجعت سريعا وأدركت أنها اكبر جريمة من الممكن ان ارتكبها بحق غريب مثلي وربما ظروفه أسوا مني بكثير.
ذهبت اليه
- صباح الخير
- صباح النور يا بيه
وجدت نفسي اقول بحدة لم أقصدها:
- اسمع يا صاح .. انا أفهمك تماما و ارفض اسلوبك هذا ولولا مراعاتي لاننا أبناء وطن واحد لكان تصرفي مختلفا تماما, والآن ماذا تريد؟!!
صمت ولم يرد وانتبهت الى حدتي فلان وجهي وقلت له:
- هل تناولت فطورك
- خيرك سابق يا باشا
- اذن سنكمل حديثنا ونحن نتناول الفطور
*****
كان واضحا من شهيته انه لم يأكل منذ أيام أو لعله لم يأكل من هذه الأصناف الراقية منذ سنين أو ربما لم يرها منذ ولدته أمه اصلا,..عاودني الشعور بالراحة الذي شعرت به بالأمس وشعرت معه بالكثير من الألفة لا أدري مصدرها هل لأن كلانا غريبين في بلد بعيد عن الحبيب والقريب, أم أنني برغم نفوري من اسلوبه الشعبي المبالغ فيه وجدت فيه ما يشعرني اني لم أبتعد كثيرا عن بلادي ؟..لا أدري .
تبادلنا حديثا وديا مطولا بان خلاله مستواه التعليمي والثقافي المتدني للغاية وكذلك الاقتصادي كعادة كل أمثاله من المهاجرين غير الشرعيين, حكى لي كيف أتى الى بروكسل فلم تختلف حكايته عن الحكايات التي أقرأ عنها كل يوم في الصحف وطبعا فقد عني باضافة تفاصيل مأساوية لكسب تعاطفي وأعتقد أنه نجح في هذا
كنت أنوي التجول في المدينة في ذلك اليوم وانا من هذا النوع من الناس الذي يضل طريقه بسهولة اذا سار في طرق لم يعتدها , اذا كنت كذلك في مصر فبلا شك سأستعين بالشرطة في بروكسل لاعادتي للفندق في نهاية اليوم.
كان ادوارد قد أعطاني كتيبا صغيرا كمرشد سياحي صغير لكل معالم المدينة السياحية وعرضت على محمود ان يرافقني وتوقعت أن يطلب أجرا ولكنه لم يفعل , اندهشت وبسألته انا:
- كم ستاخذ في المقابل؟؟
صمت ثم قال بخيبة امل:
- سعادتك انا لست مرشدا سياحيا
- وانا لست سائحا,أنا هنا في رحلة دراسية وكل ما اريده هو شخص مرافق عالم بمسالك المدينة وقد استعين به في بعض الأعمال المكتبية , سكرتير تقدر تقول. وكما قلت لي ولاد البلد لبعضيهم وانا اقدر ظروفك.
عندها ترك الطعام واعتدل في مقعده وبدأ التفاوض, لم أكن ابدا مفاوضا ماهرا ولا حتى جيدا وكان هو "ابن سوق" مخضرم ولكني كنت اعرف حدود امكاناتي والأموال التي توفرها لي الجامعة وكان هو حريصا على الا يخسر الفرصة ولهذا اتفقنا سريعا على ما ارضي الطرفين.
خرجنا من الفندق وجبنا المدينة من اقصاها الى اقصاها , كان محمود ينطق أسماء الأماكن بطريقة مضحكة وكنت أصحح له نطقه وأنا ابتسم في كل مرة , في البداية كنت اخشى اني أحرجه ولكني وجدته هو من يبادر بالسخرية من نفسه, كان جاهلا ولكنه لم يكن يخجل من جهله كان يقول انه عالم بأمور أخرى يجهلها المتعلمون ولقد احترمت منطقه وإن لم يعجبني استسلامه ورضاه بجهله
مررنا اثناء سيرنا بمنطقة فقيرة للغاية اخبرني أنه يسكن فيها مع أحد عشر كوكبا من ابناء مصر في شقة ضيقة لا ترى الشمس ولا القمر , لقد كانوا عشرة فقط ولكنهم زادوا واحدا منذ ثلاثة اشهر . سألته كيف ينامون أو يتحركون أو حتى يتنفسون فتبسم ولم يعلق
توقفنا عند كابينة تليفون فتحدثت الى أمي وابي وخطيبتي واتصلت باستاذي في الجامعة للتأكد من بعض البيانات. عندما حل المساء عدنا الى الفندق ورحل محمود وكان آخر وجه أراه هو أيضا وجه ادوارد ونمت نوما هادئا , ليس لأني (اتمسيت ) بابتسامة ادوارد الصافية ولكن ايضا لأني كان يملأني شعور بالراحة لأني لست وحدي في بلاد الغربة
*****
بعد ايام عرفت انني لم اكن موفقا في اختيار رفيقي فتصريح زيارته المنتهي منذ الأزل يمنعه من ارتياد اي مبنى حكومي فكانت مهمته تنتهي قبل بوابة اي مكان أذهب اليه بعدة امتار , ربما أغيب في مكتبة لعدة ساعات او اجتمع مع أحد اساذة الجامعة طوال ساعات النهار فكان يتسلى بالتسكع هنا أو هناك أو في التقاط زبائن آخرين على طريقته وتكون النتيجة صعوبات متعددة ووقت مهدر بلا طائل حتى نتقابل مرة أخرى ,. كما أنه بليد تماما في الأعمال المكتبية , يقرأ الفرنسية بصعوبة وكثير الأخطاء الاملائية علاوة على فهمه المتدني
بدأت أتضايق من وجوده معي ولكني لم اشأ أن أخسر رفيقا أشعر معه بالألفة وبدفء الوطن ولكني ذات صباح كنت قد عزمت على صرفه , والقيت تحية الصباح على ادوارد وانا افتش بعيني عن محمود وسألت ادوارد:
- الم يأت بعد؟؟
- لا لم يأت ولكن هناك شخص آخر بانتظارك
قالها واشار نحو شاب يقف في مواجهتنا على مسافة أقل من مترين لم يكد ينتبه الى الاشارة حتى تقدم نحوي وصافحني قائلا:
- محمود يعتذر عن الحضور وقد ارسلني بدلا منه , اسمي أشرف
كانت كلماته مهذبة وصوته هادئ وكذلك كانت ملابسه منسقة بعناية رغم بساطتها , صافحني بيد قوية ممتلئة بالعزم ورأيت في عينيه نظرة طموح وان شابها الكثير من الترقب والخوف , ولكن ما أدهشني حقا هو انه التفت نحو ادوارد وشكره بفرنسية ممتازة جعلتني أقول بانبهار :
-انت تجيد الفرنسية؟؟
- أنا خريج آداب لغة فرنسية
لم اكن اصدق أن محمود يعرف انسانا متعلما و فكرت أنه أدرك مدى ضيقي منه ففضل أن يرسل لي شخصا اكفأ ولابد انه سيتقاسم الأجر معه , كنت منبهرا ومتعجبا وسعيدا في الوقت ذاته خاصة انه خريج نفس الكلية التي أعمل فيها مدرسا , سألته:
- أي جامعة؟؟
- القاهرة
ابتسمت وقلت:
- رائع أنا مدرس في نفس الكلية التي تخرجت منها
ارتفع حاجباه وقال وهو يشد على يدي مجددا : - مرحبا يا دكتور ,..كم هي فرصة سعيدة
- انا اسعد بالتأكيد
وقد كنت صادقا جدا في الحقيقة فأنا سعيد لأني تخلصت من محمود ولاني أخيرا سيكون لي مساعد يساعدني وليس مرافقا بحاجة للمساعدة
- ولكن لماذا اعتذر محمود؟؟
- لقد صدمته سيارة بالأمس وكسرت ساقه
فاجأني الخبر بشدة وشعرت بذنب كبير لأني فرحت بعدم قدومه وقد انطوى ذلك على مكروه اصابه وقلت:
-يا الهي ,..لابد أن أزوره وأطمئن عليه
- لا تتعب نفسك يا دكتور أنه بخير
- هذا واجبي
- أخشى انك قدلا تجد مكانا في مسكننا لمجرد وقوفك
- هل تسكن مع محمود في نفس المسكن
أوما براسه في غير رضا وقال:
- انا أحدث ساكنيه بقدومي اكتملت الدستة
ضحكت بصوت عالي وقلت وأنا اربت على كتفه :
- كانت ستكتمل على اي حال.. هيا لتناول فطورنا
بعد دقائق قال لي وهو يرشف من فنجان الشاي :
- وهل انت في منحة دراسية؟؟
- ليس بالضبط أنا احضر رسالة ماجستير عن مراسلات وأدبيات نابليون بونابرت وأنا هنا للإطلاع على بعض المراجع ومقابلة بعض الأساتذة المتخصصين
- ولماذا لم تكن رحلتك الى باريس؟؟
- عزيزي ليس معنى ان نابليون كان امبراطورا لفرنسا ان اثاره اقتصرت على باريس لقد امتدت امبراطوريته وشملت أنحاءا عدة
اوما برأسه متفهما وارتش رشفة جديدة من الشاي الساخن وقال :
- اعتقد اني ساستمتع بالعمل معك , فأنا أحب نابليون بونابرت, برغم انه قاد حملة ضد مصر يوما
- لقد كان كأي امبراطور يسعى لتوسيع امبراطوريته ولتأمين مصالحها , نابليون لم يأت مصر غازيا , بل جاء امبراطورا , جاء بالجند وبالعلماء والمثقفين وهذا مقدم الملوك وليس الغزاة
- ولكنه انهزم على اي حال
- وكان لابد أن ينهزم.. هل تعلم لماذا؟؟
- لماذ؟؟
قلت ضاحكا :
- لانه كان قصيرا
نظر الي متعجبا فقلت له وانا اغادر المائدة ..سأشرح لك في الطريق لأني سأتأخر هيابنا
*****
عاجلني بالسؤال ما ان استقر جسدينا على مقعدين متجاورين في الحافلة:
- والآن ماعلاقة هزيمة نابليون بكونه قصيرا او طويلا؟؟
- هل سمعت عن عقدة نابليون ؟؟
هز رأسه نفيا فقلت :
- عقدة نابليون هي المسمى البديل لعقدة الدونية أو كما تسمى في بعض الكتب العلمية عقدة الرجل القصير ,..من المثبت تاريخيا أن نابليون كان يعاني اضطرابا نفسيا شديدا لأنه كان اقصر حتى من الحرس الامبراطوري الخاص به .
ليس هذا فحسب لقد عانى نابليون من الشعور بالانتقاص منذ طفولته المبكرة . بعد عام واحد من ولادته غزت الجيوش الفرنسية جزيرة كورسيكا حيث ولد وانضمت الجزيرة التي كانت تابعة الى جمهورية جنوة الى الممكلة الفرنسية
قاطعني مستوضحا:
- جنوة الايطالية؟؟
- , اجل واسمه في الحقيقة (نابليوني دي بونابرته)وهو الاسم الايطالي الذي سماه به ابوه, الطريف أن هذا الاسم كان تيمنا بعمه الذي مات في قتاله ضد الفرنسيين
كان واضحا عليه انه يسمع هذا الكلام لأول مرة وانه كان شغوفا بمواصلة الاستماع فاستطردت:
- في المدرسة كان الأطفال الفرنسيون يسخرون منه لبنيته الجسمية الضئيلة وكانوا يعيرونه بأنه كورسيكي وان بلادهم قد غزت بلاده فكان يثور ويتشاجر معهم ويصيح بأنه سيقاتل الفرنسيين
- ولكنه قاتل باسم فرنسا
- في رأيي لقد كان يقاتل باسم نفسه وفرنسا كان اشبه بالدرع التي تقلدها أو السيف الذي امتشقه
- ماذا تقصد؟؟
- لقد قرر نابليون أن يثبت للعالم أنه ليس الكورسيكي القصير محط السخرية, ولكنه امبراطورا عظيما , فرنسيا ان كان هذا سيمنحه المجد , انجليزيا أو روسيا حتى لا يهم , لأنه في النهاية كان يبني مجدا شخصيا وليس وطنيا
- بدأت تقلل من مكانة نابليون في نظري
ضحكت وقلت:
-كما قلت لك هذا مجرد رأي, والتاريخ لا يحتمل ابدا رايا واحدا
- ولكنه يحتمل حقيقة واحدة
- حتى الحقيقة الواحدة لها أكثر من وجه, وكل وجه له أكثر من تفسير وفي هذا الخضم نسبح نحن الباحثون ولا يعود أحدنا بجعبة فارغة ابدا
- لا أفهم ,..ماذا عن نابليون؟؟
- كما قلت لك .. لقد كان امبراطورا قصيرا
كان علينا أن نغادر الحافلة , غادرناها وسرنا لمسافة قصيرة لم نتحدث خلالها وعلى أبواب أحد المكتبات المركزية العامة تركته بعد أن حذرته من الابتعاد كثيرا .
عندما خرجت وجدته جالسا على مقعد اسفل شجرة على جانب الطريق ممسكا بكتاب يقراه لم يكن معه في الصباح اقتربت منه قائلا:
- ماذا تقرا؟؟
انتبه الي وتبسم وقال وهو يناولني اياه:
- كتاب عثرت عليه عند بائع كتب مستعملة فاجتذبني عنوانه واشتريته
- " كبف انهزم نابليون؟؟" من الواضح أن مناقشتنا أثارت تفكيرك
- هذا صحيح
- ولكن محمود لم يكن كذلك
قال ضاحكا:
- محمود لا يعرف من هو نابليون اصلا
ضحكت انا الآخر وقلت له:
- اذن هيا بنا لنطمئن عليه
- ألازلت مصرا؟؟
- بالتأكيد
- اذن هيا بنا ولكن تذكر أنك أنت من طلبت
ضحكت وانا أربت على كتفه و سرنا معا نحو الحي الفقير.
سرت الى جواره وأنا اتصفح الكتاب الذي اشتراه , كان الكتاب يتناول أحداث معركة ووترلو التي مني فيها نابليون بأكبر وآخر هزائمه والتي تنازل اثرها عن عرشه وقضى بقية حياته في المنفى ,كان حقا اسوأ مصير لامبراطور بحجم نابليون. قلت له:
- هل تعلم أنهم سيقيمون عرضا تمثيليا لمعركة ووترلو في نفس ساحة المعركة الأصلية ؟؟
- حقا؟؟ متى؟؟
- بعد أيام في نفس تاريخ وقوعها , 18 يونيو..سأحضره وستحضره معي
- هذا من واجبات عملي
ثم استدرك:
- ولكني لم افهم بعد ما علاقة كل ما رويته لي عن معاناة نابليون النفسية بهزيمته سواء في مصر أو في ووترلو؟؟
- الهزيمة النفسية يا اشرف أشد بكثير من اي هزيمة حربية ,..ولقد كانت هذه الهزيمة قابعة داخله في كل لحظة. كل انجازات نابليون لم تكن أكثر من سلوكيات تعويضية لعقدة النقص التي يعاني منها
أومأ برأسه وهم بقول شيء ولكني قلت قبله :
- هناك مقولة له يقول فيها :" ان المجد سببه ما قمت به من أعمال عظيمة ولا بد من استمرار الأعمال العظيمة ليستمر مجدي" وهذا خاطئ جدا
- لماذا؟؟ اراه كلاما معقولا
- ولكنه ليس كلام امبراطور,..الامبراطور الحقيقي يؤمن بمجد شعبه وبمجد نفسه ويتخذ من هذا المجد وسيلة لتحقيق الأعمال العظيمة وليس العكس, ولكن نابليون لم يكن مؤمنا بمجد نفسه ولا بمجد الشعب لافرنسي لأنه لم يكن فرنسيا أصلا وكان من الطبيعي أن يقول هذا الكلام
واستطردت وأنا أعيد اليه كتابه:
- في هذا الكتاب ينعت الكاتب نابليون بالمتغطرس والمغرور , قد تجد في هذا تعارض مع ما قلته لك
تناول مني الكتاب وقال باسما:
- لقد علمتني أن التاريخ لا يحتمل رأيا واحدا
ضحكت وقلت:
- ولكن مع ذلك فهذا الرأي لا يخالف رايي, لأن الغرور والتعالي أحد السلوكيات التعويضية لعقدة النقص , قد يبدو هذا كلاما غريبا لكنه حقيقي. من يعانون من عقدة الدونية ينقسمون في ردود أفعالهم الى جماعات, فجماعة تستلم وتنتقص بنفسها من قدر نفسها وأخرى تحاول التحدي وتحقيق النجازات وهؤلاء هم الأقرب الى السواء وآخرون يبالغون في الغطرسة لتعويض مشاعرهم السلبية تجاه أنفسهم وغيرهم يعيشون وهم يتوقعون الهزيمة في كل خطوة ويكادون ينتظرونها ولقد مزج نابليون بين اغلب هذه الجماعات بصورة لافتة للانتباه والحيرة في آن واحد
- لقد اثرت فضولي لمعرفة المزيد عن هذا الرجل
- وانت أثرت اعجابي بعقلك المتفتح ومناقشتك المثمرة
ابتسم وقال بصوت مهذب :
- كلك ذوق
سرنا متجاورين عبر احد الشوارع التجارية الذي تقع بعده محطة الحافلات وقفت أمام احدى واجهات العرض واشرت نحو احد المعروضات قائلا لاشرف:
- ما رايك لو اشتريت هذه لخطيبتي؟؟
- انها جميلة والفتيات يعشقن هذا النوع من الهدايا
تاملتها للحظات وألقيت نظرة عامة على باقي المعروضات قبل أن نواصل السير . بعد ثوان قال لي:
- هل تعلم ؟! أنا أيضا تركت خطيبتي من خلفي في مصر , ولكني بعكسك لا أعرف متى قد أعود اليها
سمعت صوته منكسرا حزينا والتفت اليه فرايته مطأطي الراس في أسى فقلت في جدية لم تخل من تعاطف:
- أشرف هناك سؤال يلح علي منذ رايتك في الصباح
- ماهو؟؟
- انت متعلم تعليما جيدا جدا وتبدو من اسرة راقية..ما الذي جاء بك الى هنا وبهذه الوسيلة؟؟
- لم تكن ثمة وسيلة أخرى
- ولماذا فكرت في الهجرة أو السفر الى الخارج أصلا؟؟
- لأني فكرت في حال من لم يفكروا في هذا
نظرت اليه نظرة بلا عنوان فقال لي منفعلا:
- لم يطل بك العهد في الغربة..لا أظنني بحاجة لأن اذكرك بكم الفساد والفوضى في مصر
- وهل تواجه هنا ظروفا أفضل؟؟
- ربما ليس اليوم ولكن غدا ...
- غدا ماذا؟؟ ولماذا لم تقل هذا في مصر؟؟
- لأن في مصر لا يمكنك ان تفكر في غد لأنك بالكاد تعيش يومك واذا حلمت بهذا الغد ليلا فستصبح على واقع يدمر كل أحلامك
- اعرف انك يائس وغاضب ولكن صدقني ما تفعله بنفسك ليس هو الحل
لم يجب ولم أجد ما اقوله أعرف ما عاناه وقد جربت مثله ربما كانت فرصتي أفضل ولكني أعرف كل شيء ولست بحاجة لمن يذكرني كما قال ولكن هذا ليس حلا أبدا ..ليس حلا
ركبنا الحافلة وشرد هو ناظرا عبر النافذة أما أنا فتزاحمت في راسي أفكار كثيرة
*****
كان علينا أن نسير بعد أن غادرنا الحافلة على أقدامنا عبر شوارع آخذة في الضيق حتى استحالت بعد عدة تفرعات الى حواري وازقة عطنة الرائحة يتناثر فيها المتسكعون والمدمنون, أخيرا وصلنا الى بناية من طابقين تزينت واجهتها بشقوق متعرجة في كل الاتجاهات ولها باب ضيق مثل نوافذها . برغم كل التصورات البائسة التي تصورتها عن حياتهم الا ان ما رأيته هالني بحق.
كانت الشقة التي لا تتجاوز مساحتها الخمسين مترا مربعا والتي تعرت جدرانها من اي طلاء واجتاحتها الشروخ عارية من أي بساط أو سجاد وطبعا خالية من اي أثاث . كان لكل فرد فراش ارضي مكون من ملاءة وغطاء خفيف إلى جواره تجد حقيبة سفر مفتوحة يتناثر حولها اكثر مما داخلها وقد تجد صندوقا كرتونيا أو حتى (بؤجة) تجمع أكوام الملابس والأغراض الاخرى.
موقد صغير ومصباح وحيد ودورة مياه ضيقة في ركن الشقة وهذا كل شيء.
كانت الشقة خالية الا من محمود وجبيرة ساقه ولكن بعد لحظات خرج شاب من دورة المياه يرتدي جلبابا أبيضا مشمرا عن ساعديه يعصر لحيته السوداء من ماء الوضوء على ما يبدو, لم يكد يرانا حتى قال بصوت قوي :
- السلام عليكم ورحمة الله
رد كلانا السلام وعرفه أشرف بي وعرفني به وقال :
- هذا عزيز شيخ الشقة يأمنا في الصلاة ويخطب فينا يوم الجمعة
صافحته في حرارة ثم توجهت نحو محمود الذي كان نائما وتنبه لدى قدومنا فقال:
- مكانش له داعي يا دكتور ليه بس تاعب نفسك,..أنا مئة فل واربعة عشر
نظرت الى ساقه الملفوفة في جبيرة بدائية وقلت مستنكرا:
- ما هذا؟؟
قال اشرف:
- انها جبيرة أعددتها له حتى يأتي الطبيب
- ومتى سيأتي ؟؟
أتى صوت عزيز من الخلف:
- لقد ذهب يوسف ليحضره وسيأتيان في أي لحظة
قلت:
- ما كان يجب أن ينتظر كل هذه المدة كما أنه يحتاج الى اشاعة على ساقه
قال محمود بلا مبالاة :
- يا دكتور ما أنت عارف مش هاقدر أدخل مستشفى
ثم استطرد :
- وبعدين دي حكاية بسيطة ,..تحب اقوم امشيلك عليها ؟؟
قالها وهم بجذعه فأرقدته قائلا:
- لا أرجوك
كانت جو الشقة حار وخانق للغاية وتمنيت لو رحلت بسرعة ولكن كان علي أن انتظر الطبيب وأطمئن بنفسي. لحسن الحظ وصل يوسف ومعه الطبيب على الفور ,كان طبيبا مصريا كذلك . فحص ساق محمود وسأل عن من أعد هذه الجبيره وتوقعت أنه سيوبخه بشدة ولكني وجدته يطري عليه ويسأله اين تدرب على التعامل مع مثل هذه الحالات , سمعته يقول له أنه كان عضوا في الكشافة فترة دراسته الثانوية والجامعية , ازدادت حسرتي وزاد اصراري على أن هذا ليس مكانه .
تابعت الطبيب وهو يجبس ساق محمود دون أن أنطق بكلمة , كنت محبطا وحزينا لما رأيت. شكرت الطبيب لدى مغادرته وسلمت على محمود أما عزيز فكان يصلي ركعات نفل بصوت مرتفع ولم اكن اقو على انتظاره فغادرت مسرعا .
لم استطع النوم في تلك الليلة وقضيت ليلتي أحدق في سقف الغرفة لا استطيع أن أمحو من عيني ما رأيت ولا من قلبي ما أحس به من شفقة عليهم
حاولت التلهي بمراجعة جدول اعمال الغد ولكني تذكرت أنه نهاية الأسبوع ..انه موعدي مع ادوارد , قضيت باقي الليل في التفكير في هدية أحملها في زيارتي الأولى له
الكلمات لا تستطيع أن تعبر عن اعجابي، الأسلوب سهل وممتع وتشعر أن الأحداث تأخذك دون أن تشعر إلى أبعد درجات الإبداع الفكري
ردحذفشكرا جزيلا , هذه مبالغة كبيرة
ردحذفشرفت المدونة وأتمنى أن تكون متابعا دائما
انا صبور عارفني طبعا بس لازم اسجل اعجابي بك ومتنساش الارقام اللى كتبتهالك
ردحذف