رتبت الأطباق في الدرج الكبير بغير حماس ضغطت على زر التشغيل فانسحب الدرج الى داخل ماكينة غسل الأطباق وأخذت مصابيح صغيرة تضيء بالتتابع تعلن عن بدء مراحل التنظيف المختلفة, قال لي عزيز لما كان يحاول اقناعي بالعمل معه أن غسيل الصحون لم يعد بالصورة التي في ذهني الا "هناك في بيتنا" ,على حد تعبيره, وأنه صار هناك الأن ماكينات متخصصة تغسل وتجفف ويقتصر دور مشغلها على وضع الأطباق او رفعها مع ضغط بعض الأزرار التافهة. علي ألا اسمح إذن للصورة الفكاهية لمشهد الرغوة والاسفنجة وتلال الأطباق التي لا تنتهي وتلك الحكايا الاسطورية عن استحالة الالتفات لأنظر الى من بجواري أن تسيطر على مخيلتي وتضيع على فرصة عمل ممتازة في أحد أكبر المطاعم في بروكسل.
هل كانت عبارته تلك كافية لاقناعي؟؟ أم أنني كنت وقتها مهيأ لقبول أي عمل؟؟ كان اقتراب موعد عودة معتز الى القاهرة يقلقني ويحرك في داخلي هواجس الخوف من العودة الى بطالتي الأولى , أدور في شوارع بروكسل على كعبي أستجدي أي عمل ولو كان حقيرا.
صدمني الواقع لدى وصولي الى بروكسل , كان الأستاذ شحتة الذي أنهى لي اجراءات سفري قد طمأنني الى أنني لن أعاني من الغربة لأني سأسكن مع شباب مصريين مثلي, ولاد بلد, سيساعدوني ويقفون بجانبي ويكسبوني من خبراتهم حتى أكون قادرا على تدبير أموري بنفسي. لم يخبرني بعددهم ولا اين يسكنون ولا كيف يعيشون, وكنت من اللهفة ونقص الخبرة حيث أني لم أسأل. عندما وصلت أدركت كم كنت ساذجا عندما صدقت نخاسا مثله. لا أنكر أن محمود منذ استقبلني في المطار وهو لا يبخل علي بالنصيحة ولا المساعدة ولا بالمال حتى, بل انه يعرض علي بنفسه أن يقرضني ولا يستعجلني أبدا في الرد بل يبدو وكأنه نسي تماما ما له عندي, ولكني اعلم أنه لا ينساه لحظة واحدة. صحيح أنه كان يقتسم معي أجري الذي اتقاضاه من معتز قسمة فيها شيء من الجور ولكن هذه هي قوانين السوق والعمل في الغربة. عزيز أيضا كان لي اخا وصديقا, ربما هذا ما كان ولايزال يهون علي العيش في هذه (المزبلة) العطنة حيث لا يكاد أحد من الباقين يعرف اسم زميله, ولا يتوانى لحظة عن (أكله) بالمصطلح المصري الدارج.
كبريائي أيضا منعني من الاستسلام والعودة مهزوما خاصة وأني اقترضت من ابي أغلب تكاليف سفري ودافعت دفاعا مريرا عن قراري وعن الأستاذ شحتة في مواجهة أمي ووفاء. ولكن كبريائي هذا لم البث ان دسته بحذائي المهترئ من كثرة السير تحت الامطار متحملا برودة لم أعتدها وازدراءا لا اقبله من أصحاب الأعمال, ومع ذلك ظل يمنعني من اتخاذ قرار العودة بهذه السرعة, أين يذهب اذن عندما أطرد أو أسب علنا أو عندما أقبل بمهنة حقيرة ذات راتب مهين؟؟ يبدو أن العالم متناقض جدا كما يقول عزيز أو أنني تكرار لنابليون كما يقول معتز.
أثناء عملي مع معتز شعرت بقيمة ذاتي, رأيت فيه بداية تحقيق حلمي الكبيرالذي لا اعرفه, ولكنه على أي حال زاد من اعتدادي بنفسي, لم يكن من السهل علي بعد ذلك ان أعود لحمل صناديق المخازن وتنظيف أقبية الحانات. كنت في خلواتي أتعجب من نفسي وألومها بقسوة, كيف كنت أقبل مثل هذه المهن الحقيرة؟!! ولكن مع دنو موعد الرحيل بدأ كل ذلك في الخفوت ووجدتني بدون جدال يذكر اقبل أن أعمل في غسل الصحون وأقبل أن أكذب على وفاء وعلى أمي وأبي وأخبرهم أني أعمل في المراسلات لدى احدى مكاتب التصدير.
قال معتز أن نابليون ولد في مهد الهزيمة ورضع من لبن الانكسار, كانت انتصاراته عظيمة ولكنه كان ينتزعها انتزاعا اما هزائمه فكانت فطرية وكان يقبلها بغرابة, بعد هزيمة واترلو كان أجدر به أن ينتحرعلى أن يكون بوني الرهيب, وكان قد رضي بالنفي من قبل بعد هزيمته في روسيا.
هل أنا ايضا خذياني فطري؟؟ أتذكر كبريائي في وقت الرخاء وأدهسه حين الشدة, وأتشدق بعبارات تحفظ ماء وجهي؟؟ لقد كنت في مصر عاطلا وبائسا ولكني لم أكن أبدا مهانا, جئت الى هنا ألهث خلف حلم لا أعرف حتى ماهيته, أسعى خلف مجد لا صورة له عندي ولا عنوان. هل مجدي في امتلاك الكثير من المال؟؟ أم في زواجي من وفاء؟ أم في العيش عيشة كريمة؟ أم في كل أولئك مجتمعين؟
قال معتز أن نابليون خلط بين مجده العسكري والسياسي والعائلي أيضا, فبعد خيانة زوجته جوزفين بدأ يتطلع الى السلطة والى الامبراطورية وكان قد قال من قبل لتاليراند أنه يطمح لأن يكون مدرسا للرياضيات. الهزيمة جعلته مشوشا ومتهورا.
صدر أزيز خافت من ماكينة غسل الأطباق وتحرك الدرج الى الخارج محملا بالأطباق النظيفة والجافة. هائنذا أكرر كلام معتز , ولكن فيم يفيد, على الاهتمام بعملي.
*******
التقيته أنا وعزيز لدي عودتنا ليلا, كان خارجا من المدخل الضيق ونحن على بعض خطوتين منه, كان هو الطبيب الذي أحضره يوسف عندما كسرت ساق محمود. تقدم منا وصافحنا ,سأل عزيز ان كان احدهم مريضا فطمأننا الطبيب ثم استأذنني في حديث منفرد فصعد عزيز وحده وسرنا أنا والطبيب باتجاه الشارع الرئيسي.
- ما الأمر؟؟
صمت الطبيب هنيهة ثم قال:
- اسمع جيدا يا....؟
- أشرف
- حسنا يا اشرف , رغم أني لا أعرفك ولم أتعامل معك من قبل ولكني أراك الوحيد القادر على فهم ما سأقوله لك وتقديره حق قدره, أنت أفضلهم تعليما وتثقيفا على ما يبدو وأنا نظرتي بالناس لا تخيب
- أشكرك, ولكن ما الأمر ؟؟ لقد اقلقتني
- انه يوسف
- هل هو مريض؟؟
أومأ برأسه أن نعم وأردف :
- بالايدز
توقفت عن السير فجأة ورددت مصعوقا :
- الايدز؟؟
توقف هو الآخر بعدي بخطوة وقال :
- تمنيت لو كانت التحاليل كاذبة ولكني كررتها اكثر من مرة والنتائج مؤكدة
واصلت السير وأنا أغمغم:
- يا الهي,..يا الهي
- انا ويوسف صديقين منذ الصغر , كنت تقريبا صديقه الوحيد وكنت جاره ,أسكن مع ابي وأمي في الشقة المواجهة لشقة اسرته, وكنت أنا دائما من أزوره لنلعب معا لأن أمه كانت تخاف عليه ولا تطمئن الا ان كان الى جوارها, لقد أنجبته بعد عشر سنين من الانتظار المحموم بالدعاء
جاوبته بصمت المصدوم وواصل هو :
- السياج الشديد من الحرص والمحاذير الي أحاطته به أمه جعله دائما منعزلا ومنطويا ,تنقصه الكثير من المهارات الاجتماعية, بل أغلب المهارات الاجتماعية حتى أنه كان يتلعثم اذا تحدث الى طفل آخر لا يعرفه وكان يخجل أن يلعب مع اطفال لا يعرفهم, وكان حساسا للغاية وسريع البكاء. كل هذا لم يكن ذا بال لولا أنه استمر معه في مراهقته وشبابه فكان مثار سخرية اقرانه وكانوا يكيلون له المقالب المحرجة فكان يغضب حتى يحمر وجهه و يدمدم بكلمات عصبية غير مفهومة ثم يغادر المكان بسرعة. كنت اذهب خلفه ان كنت حاضرا وان لم أكن كان يبحث هو عني وظللت أنا صديقه الوحيد ومستودع اسراره.
أومأت له براسي ليكمل دون أن أنطق أو أن ألتفت اليه حتى فسمعته يقول:
- لكن بعد المرحلة الثانوية التحقت أنا بكلية الطب والتحق هو بكلية التجارة ولم نعد نتقابل كثيرا وذات مرة حكى لي عن علاقته بإحدى زميلاته فتخيلت أنه شفي أخيرا من رهابه الاجتماعي حتى انه صارت له علاقات مع الجنس الآخر فسعدت بهذا , والحقيقة ان هذه العلاقة كانت كفيلة بالفعل بأن تشفيه تماما لو كانت حقيقية.
- ماذا تقصد؟؟
- وسامة يوسف كانت تجذب الكثير من الفتيات فكن هن من يحاولن التقرب اليه ولكنهن سرعان ما يرجعن عن رغبتهن لأن يوسف كان يهرب منهم أولا ثم لا يحسن التصرف معهن ثانيا وكان هذا يزيد من أزمته النفسية , ما كان يهون عليه أنه لم يحب اي واحدة مهن ولكنه كان يريد فقط أن يكون مثل باقي الشباب له صديقة او حبيبة, أما تلك الفتاة فقد أحبها
نظرت اليه ليكمل حكايته وكنا قد وصلنا الى الطريق الرئيسي وكنا نسير على الرصيف الكبير المظلل بالأشجار الضخمة التي بدأت تتخلى عن بعض أوراقها مع قدوم الخريف
- ولكن طالبا آخر من زملاءه احبها كذلك وبالطبع لم تكن المنافسة متكافئة ولكن يوسف أكمل الحكاية في خياله , في خياله استمرت محاولات سعيه لنيل قلبها واستمرت كذلك منافسات زميله , وتخيل كذلك أنه هو من انتصر في النهاية وانها فضلته على زميله الذي لم يتحمل الهزيمة فقتلها ثم انتحر
نظرت اليه في استنكار مذهول فأومأ براسه وقال:
- هذا ما حدث بالفعل تخيل كل هذا وظنه حقيقيا وعندما قتلت حبيبته الخيالية اصيب بصدمة كبيرة فصار على الحالة التي تراه عليها , شاردا ,صامتا , وغامضا وعنيفا للغاية
- ولكن كيف...؟
- عندما جئت للعملفي بروكسل عرضت حالته على أحد أكبر الأطباء النفسيين واستدعيته بحجة أن يبحث عن عمل ليراه الطبيب , ولكنه هرب من المصحة التيأفهمته في البداية أنها فندق , كاد كل ما بيننا أن ينتهي ولكن الطبيب نصحني أن أذهب خلفه و أعتذر له والا أحاول أن أعيده بدلا من أخسره تماما وكذلك يخسرني, قال الطبيب أن وجود صديق مخلص مهم في حالته حتى لو لم يتلق العلاج
- ولماذا لم تعده الى مصر؟؟
- كانت هذه هي رغبتهورفض كذلك أن أوفر له مكانا للسكن وجاء ليسكن معكم هنا , لم أتمكن من منعه من كل ما آذى به نفسه , كان عزائي أنه يروي لي ولو بعضا مما لا يحكيه لأي أحد وهذا يجعلني أتابعه ولو من بعيد لعلي أتمكن من التدخل في الوقت المناسب
وصمت ثانية ثم اردف بصوت باك:
- أنا من فعل به هذا , أنا المسئول ..أنا المسئول
ولكني لم أجبه, كنت اتذكر كلام معتز, لقد مر نابليون بتجربتين عاطفيتين فاشلتين قبل أن يتزوج من جوزفين التي تكبره بسنوات وقد صرحت له احدى حبيبتيه أنها تحب غيره في حين تهربت منه الأخرى, كان لا يزال ضابطا تافها بالجيش رث الهيئة ليست فيه ايا من ملامح الجاذبية وكانت جوزفين أرملة واحد من كبار الجنرالات , هل كان له أمل فيها لولا أنها هي من بادءته المودة؟؟ هل كان يريد أن يستفيد من نفوذها؟؟ هل كان يحبها أم كان يحب ما يشعر به معها بعد أن كان قد يأس من أن تبادله أي امرأة الحب؟؟ ولكنها خانته, وخانته من بعدها ماري لويز..
- أشرف!!
استدعاني من بين افكاري فالتفتت اليه وقلت :
- أنا اسمعك..ماذا يمكنني أن أفعل؟؟
- أنت تسكن معه وأنا لم أخبره بما عرفته ولم أخبر أحدا غيرك ولكني أستحلفك بالله أن ترعاه في أوقات مرضه , ربما يبدو كإنسان فاسد ولكني اشهد الله أني لم اعرف صاحب قلب أطهر من قلبه, انه مغيب, أعرف انك تفهمني , أليس كذلك؟!!
أومأت براسي وتمتمت :
- أجل أنا أفهم, أفهم كل شيء