الاثنين، 27 سبتمبر 2010

أشرف

رتبت الأطباق في الدرج الكبير بغير حماس ضغطت على زر التشغيل فانسحب الدرج الى داخل ماكينة غسل الأطباق وأخذت مصابيح صغيرة تضيء بالتتابع تعلن عن بدء مراحل التنظيف المختلفة, قال لي عزيز لما كان يحاول اقناعي بالعمل معه أن غسيل الصحون لم يعد بالصورة التي في ذهني الا "هناك في بيتنا" ,على حد تعبيره, وأنه صار هناك الأن ماكينات متخصصة  تغسل وتجفف ويقتصر دور مشغلها على وضع الأطباق او رفعها مع ضغط بعض الأزرار التافهة. علي ألا اسمح إذن للصورة الفكاهية لمشهد الرغوة والاسفنجة وتلال الأطباق التي لا تنتهي وتلك الحكايا الاسطورية عن استحالة الالتفات لأنظر الى من بجواري أن تسيطر على مخيلتي وتضيع على فرصة عمل ممتازة في أحد أكبر المطاعم في بروكسل.
هل كانت عبارته تلك كافية لاقناعي؟؟ أم أنني كنت وقتها مهيأ لقبول أي عمل؟؟ كان اقتراب موعد عودة معتز الى القاهرة يقلقني ويحرك في داخلي هواجس الخوف من العودة الى بطالتي الأولى , أدور في شوارع بروكسل على كعبي أستجدي أي  عمل ولو كان حقيرا.
صدمني الواقع لدى وصولي الى بروكسل , كان الأستاذ شحتة الذي أنهى لي اجراءات سفري قد طمأنني الى أنني لن أعاني من الغربة لأني سأسكن مع شباب مصريين مثلي, ولاد بلد, سيساعدوني ويقفون بجانبي ويكسبوني من خبراتهم حتى أكون قادرا على تدبير أموري بنفسي. لم يخبرني بعددهم ولا اين يسكنون ولا كيف يعيشون, وكنت من اللهفة ونقص الخبرة حيث أني لم أسأل. عندما وصلت أدركت كم كنت ساذجا عندما صدقت نخاسا مثله. لا أنكر أن محمود منذ استقبلني في المطار وهو لا يبخل علي بالنصيحة ولا المساعدة ولا بالمال حتى, بل انه يعرض علي بنفسه أن يقرضني ولا يستعجلني أبدا في الرد بل يبدو وكأنه نسي تماما ما  له عندي, ولكني اعلم أنه لا ينساه لحظة واحدة. صحيح أنه كان يقتسم معي أجري الذي اتقاضاه من معتز قسمة فيها شيء من الجور ولكن هذه هي قوانين السوق والعمل في الغربة. عزيز أيضا كان لي اخا وصديقا, ربما هذا ما كان ولايزال يهون علي العيش في هذه (المزبلة) العطنة حيث لا يكاد أحد من الباقين يعرف اسم زميله, ولا يتوانى لحظة عن (أكله) بالمصطلح المصري الدارج.
كبريائي أيضا منعني من الاستسلام والعودة مهزوما خاصة وأني اقترضت من ابي أغلب تكاليف سفري ودافعت دفاعا مريرا عن قراري وعن الأستاذ شحتة في مواجهة أمي ووفاء. ولكن كبريائي هذا لم البث ان دسته بحذائي المهترئ من كثرة السير تحت الامطار متحملا برودة لم أعتدها وازدراءا لا اقبله من أصحاب الأعمال, ومع ذلك ظل يمنعني من اتخاذ قرار العودة بهذه السرعة, أين يذهب اذن عندما أطرد أو أسب علنا أو عندما أقبل  بمهنة حقيرة ذات راتب مهين؟؟ يبدو أن العالم متناقض جدا كما يقول عزيز أو أنني تكرار لنابليون كما يقول معتز.
أثناء عملي مع معتز شعرت بقيمة ذاتي, رأيت فيه بداية تحقيق حلمي الكبيرالذي لا اعرفه, ولكنه على أي حال زاد من اعتدادي بنفسي, لم يكن من السهل علي بعد ذلك ان أعود لحمل صناديق المخازن وتنظيف أقبية الحانات. كنت في خلواتي أتعجب من نفسي وألومها بقسوة, كيف كنت أقبل مثل هذه المهن الحقيرة؟!! ولكن مع دنو موعد الرحيل بدأ كل ذلك في الخفوت ووجدتني بدون جدال يذكر اقبل أن أعمل في غسل الصحون وأقبل أن أكذب على وفاء وعلى أمي وأبي وأخبرهم أني أعمل في المراسلات لدى احدى مكاتب التصدير.
قال معتز أن نابليون ولد في مهد الهزيمة ورضع من لبن الانكسار, كانت انتصاراته عظيمة ولكنه كان ينتزعها انتزاعا اما هزائمه فكانت فطرية وكان يقبلها بغرابة, بعد هزيمة واترلو كان أجدر به أن ينتحرعلى أن يكون بوني الرهيب, وكان قد رضي بالنفي من قبل بعد هزيمته في روسيا.
هل أنا ايضا خذياني فطري؟؟ أتذكر كبريائي في وقت الرخاء وأدهسه حين الشدة, وأتشدق بعبارات تحفظ ماء وجهي؟؟ لقد كنت في مصر عاطلا وبائسا ولكني لم أكن أبدا مهانا, جئت الى هنا ألهث خلف حلم لا أعرف حتى ماهيته, أسعى خلف مجد لا صورة له عندي ولا عنوان. هل مجدي في امتلاك الكثير من المال؟؟ أم في زواجي من وفاء؟ أم في العيش عيشة كريمة؟ أم في كل أولئك مجتمعين؟
قال معتز أن نابليون خلط بين مجده العسكري والسياسي والعائلي أيضا, فبعد خيانة زوجته جوزفين بدأ يتطلع الى السلطة والى الامبراطورية وكان قد قال من قبل لتاليراند أنه يطمح لأن يكون مدرسا للرياضيات. الهزيمة جعلته مشوشا ومتهورا.
صدر أزيز خافت من ماكينة غسل الأطباق وتحرك الدرج الى الخارج محملا بالأطباق النظيفة والجافة. هائنذا أكرر كلام معتز , ولكن فيم يفيد, على الاهتمام بعملي.

*******
التقيته أنا وعزيز لدي عودتنا ليلا, كان خارجا من المدخل الضيق ونحن على بعض خطوتين منه, كان هو الطبيب الذي أحضره يوسف عندما كسرت ساق محمود. تقدم منا وصافحنا ,سأل عزيز ان كان احدهم مريضا فطمأننا الطبيب ثم استأذنني في حديث منفرد فصعد عزيز وحده وسرنا أنا والطبيب باتجاه الشارع الرئيسي.
- ما الأمر؟؟
صمت الطبيب هنيهة ثم قال:
- اسمع جيدا يا....؟
- أشرف
- حسنا يا اشرف , رغم أني لا أعرفك ولم أتعامل معك من قبل ولكني أراك الوحيد القادر على فهم ما سأقوله لك وتقديره حق قدره, أنت أفضلهم تعليما وتثقيفا على ما يبدو وأنا نظرتي بالناس لا تخيب 
- أشكرك, ولكن ما الأمر ؟؟ لقد اقلقتني
- انه يوسف
- هل هو مريض؟؟
أومأ برأسه أن نعم وأردف :
- بالايدز
توقفت عن السير فجأة ورددت مصعوقا :
- الايدز؟؟
توقف هو الآخر بعدي بخطوة وقال :
-  تمنيت لو كانت التحاليل كاذبة ولكني كررتها اكثر من مرة والنتائج مؤكدة
واصلت السير وأنا أغمغم:
- يا الهي,..يا الهي
- انا ويوسف صديقين منذ الصغر , كنت تقريبا صديقه الوحيد وكنت جاره ,أسكن مع ابي وأمي في الشقة المواجهة لشقة اسرته, وكنت أنا دائما من أزوره لنلعب معا لأن أمه كانت تخاف عليه ولا تطمئن الا ان كان الى جوارها, لقد أنجبته بعد عشر سنين من الانتظار المحموم بالدعاء
جاوبته بصمت المصدوم وواصل هو :
- السياج الشديد من الحرص والمحاذير الي أحاطته به أمه جعله دائما منعزلا ومنطويا ,تنقصه الكثير من المهارات الاجتماعية, بل أغلب المهارات الاجتماعية حتى أنه كان يتلعثم اذا تحدث الى طفل آخر لا يعرفه وكان يخجل أن يلعب مع اطفال لا يعرفهم, وكان حساسا للغاية وسريع البكاء. كل هذا لم يكن ذا بال لولا أنه استمر معه في مراهقته وشبابه فكان مثار سخرية اقرانه وكانوا يكيلون له المقالب المحرجة فكان يغضب حتى يحمر وجهه و يدمدم بكلمات عصبية غير مفهومة ثم يغادر المكان بسرعة. كنت اذهب خلفه ان كنت حاضرا وان لم أكن كان يبحث هو عني وظللت أنا صديقه الوحيد ومستودع اسراره.
أومأت له براسي ليكمل دون أن أنطق أو أن ألتفت اليه حتى فسمعته يقول:
- لكن بعد المرحلة الثانوية التحقت أنا بكلية الطب والتحق هو بكلية التجارة ولم نعد نتقابل كثيرا وذات مرة حكى لي عن علاقته بإحدى زميلاته فتخيلت أنه شفي أخيرا من رهابه الاجتماعي حتى انه صارت له علاقات مع الجنس الآخر فسعدت بهذا , والحقيقة ان هذه العلاقة كانت كفيلة بالفعل بأن تشفيه تماما لو كانت حقيقية.
- ماذا تقصد؟؟
- وسامة يوسف كانت تجذب الكثير من الفتيات فكن هن من يحاولن التقرب اليه ولكنهن سرعان ما يرجعن عن رغبتهن لأن يوسف كان يهرب منهم أولا ثم لا يحسن التصرف معهن ثانيا وكان هذا يزيد من أزمته النفسية  , ما كان يهون عليه أنه لم يحب اي واحدة مهن ولكنه كان يريد فقط أن يكون مثل باقي الشباب له صديقة او حبيبة, أما تلك الفتاة فقد أحبها
نظرت اليه  ليكمل حكايته وكنا قد وصلنا الى الطريق الرئيسي وكنا نسير على الرصيف الكبير المظلل بالأشجار الضخمة التي بدأت تتخلى عن بعض أوراقها مع قدوم الخريف 
- ولكن طالبا آخر من زملاءه احبها كذلك وبالطبع لم تكن المنافسة متكافئة ولكن يوسف أكمل الحكاية في خياله , في خياله استمرت محاولات سعيه لنيل قلبها واستمرت كذلك منافسات زميله , وتخيل كذلك أنه هو من انتصر في النهاية وانها فضلته على زميله الذي لم يتحمل الهزيمة فقتلها ثم انتحر
نظرت اليه في استنكار مذهول فأومأ براسه وقال:
- هذا ما حدث بالفعل تخيل كل هذا وظنه حقيقيا وعندما قتلت حبيبته الخيالية اصيب بصدمة كبيرة فصار على الحالة التي تراه عليها , شاردا ,صامتا , وغامضا وعنيفا للغاية 
- ولكن كيف...؟
- عندما جئت للعملفي بروكسل عرضت حالته على أحد أكبر الأطباء النفسيين واستدعيته بحجة أن يبحث عن عمل ليراه الطبيب , ولكنه هرب من المصحة التيأفهمته في البداية أنها فندق , كاد كل ما بيننا أن ينتهي ولكن الطبيب نصحني أن أذهب خلفه و أعتذر له والا أحاول أن أعيده بدلا من أخسره تماما وكذلك يخسرني, قال الطبيب أن وجود صديق مخلص مهم في حالته حتى لو لم يتلق العلاج
- ولماذا لم تعده الى مصر؟؟
 - كانت هذه هي رغبتهورفض كذلك أن أوفر له مكانا للسكن وجاء ليسكن معكم هنا , لم أتمكن من منعه من كل ما آذى به نفسه , كان عزائي أنه يروي لي ولو بعضا مما لا يحكيه لأي أحد وهذا يجعلني أتابعه ولو من بعيد لعلي أتمكن من التدخل في الوقت المناسب
وصمت ثانية ثم اردف بصوت باك:
-  أنا من فعل به هذا , أنا المسئول ..أنا المسئول
ولكني لم أجبه, كنت اتذكر كلام معتز, لقد مر نابليون بتجربتين عاطفيتين فاشلتين قبل أن يتزوج من جوزفين التي تكبره بسنوات وقد صرحت له احدى حبيبتيه أنها تحب غيره في حين تهربت منه الأخرى, كان لا يزال ضابطا تافها بالجيش رث الهيئة ليست فيه ايا من ملامح الجاذبية وكانت جوزفين أرملة واحد من كبار الجنرالات , هل كان له أمل فيها لولا أنها هي من بادءته المودة؟؟ هل كان يريد أن يستفيد من نفوذها؟؟ هل كان يحبها أم كان يحب ما يشعر به معها بعد أن كان قد يأس من أن تبادله أي امرأة الحب؟؟ ولكنها خانته, وخانته من بعدها ماري لويز..
-  أشرف!!
استدعاني من بين افكاري فالتفتت اليه وقلت :
-  أنا اسمعك..ماذا يمكنني أن أفعل؟؟
-    أنت تسكن معه وأنا لم أخبره بما عرفته ولم أخبر أحدا غيرك ولكني أستحلفك بالله أن ترعاه في أوقات مرضه , ربما يبدو كإنسان فاسد ولكني اشهد الله أني لم اعرف صاحب قلب أطهر من قلبه, انه مغيب, أعرف انك تفهمني , أليس كذلك؟!!
أومأت براسي وتمتمت :
- أجل أنا أفهم, أفهم كل شيء

الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

علياء


يبدوا أن صيحتي كانت أعلى مما يجب, فقد سمعت صوت أبي ينهرني من داخل غرفة مكتبه, ولكن كيف كان لي أن آبه بهذا؟!!, بالعكس لقد انطلقت أجري واقتحمت مكتبه وأنا أهتف :
-        لقد حققت مجموع 97% يا أبي!!!
تجمدت في مكاني وأدركت فداحة فعلتي, فطأطأت رأسي وقلت بصوت مبحوح من الخوف:
-        اسفة يا أبي ولكني أريد أن أخبرك أني نجحت
لم أجرؤ على رفع راسي لأرى تعبيره ولكني سمعته يقول بصوت هادئ:
-        ألف مبروك, والآن اذهبي للنوم, لقد تأخر الوقت.
أي احباط هذا . استدرت مغادرة وأغلقت الباب من ورائي, ثم اندفعت الى غرفة نوم أمي , تقلبت في فراشها لما شعرت بدخولي وقالت :
-        هل تريدين شيئا يا عليا؟؟
هل اريد شيئا؟؟, ألا تعرف أنني منذ أيام أنتظر ظهور النتيجة؟؟ ولكن منذ متى وأمي تهتم بغير الطهي والغسيل؟؟ أراهن أنها تحلم الأن بصينية من البطاطس خرجت لتوها من الفرن وقد رصت فوقها قطع الدجاج المحمر.
قلت متمتمة:
-        لا يا أمي , شكرا , تصبحي على خير
لم أنتظر منها جوابا وأغلقت الباب وأنا أغادر الحجرة بظهري قبل أن أتوجه الى غرفتي. وحده نجيب استيقظ لما سمع صيحتي قابلته في الردهة وفي عينيه بقايا النعاس وقال :
-        النتيجة طلعت , صح؟؟
أومأت له برأسي في صمت ولكنه سألني في حماس:
-        جبتي كام ؟؟
ابتسمت وأخبرته بمجموعي فوجدته يصيح هو الآخر صيحة انتصار , ولكنه كان أكثر حرصا بخصوص صوته, ويفتح ذراعيه ليحتضنني فانحنيت أحمله فطبع قبلة على وجنتي قبل ان يفلت من بين ذراعي قائلا :
-        انتظري لحظة
وقفت أنتظر كما طلب مني وقد عادت الي سعادتي التي أحبطها أبوي منذ دقائق. ذهب الى غرفته وعاد يحمل علبة صغيرة ملفوفة بأوراق واشرطة ملونة وقال لي:
-        هذه هدية نجاحك كما أحضرت لي هدية عند نجاحي
تنهدت في دهشة وسعادة معا وأنحنيت آخذها منه وأنا أقبله كما قبلني ولكن ابي غادر مكتبه في تلك اللحظة وسمعته ينادي باسمي في غضب, اعتدلت في وقفتي والتفت نحوه :
-        أجل يا ابي؟؟
-        ألم  أطلب منك أن تذهبي للنوم؟؟ وقد حذرتك من قبل مرارا أن تقبلي نجيب, لقد كبر على هذا التدليل.
-        أنا آسفة يا ابي
-        وأنت يا نجيب , ألن تكون رجلا وتمنعها من هذا؟!!
خفض نجيب راسه ولم يقدر على الكلام فأردف والدي آمرا:
-        هيا اذهبا الى فراشيكما
أطعنا أمره واجمين ومضى هو يدفع عجلات كرسيه نحو غرفة نوم امي. استقبلت لعدة دقائق تالية بعض المكالمات على محمولي من بعض صديقاتي, لأن الهاتف المنزلي يغلق منذ العاشرة في بيتنا, وأجريت انا أيضا اتصالات ببعضهن. تبادلنا التهاني وتشاركنا السعادة ولكني ظللت اشعر أن شيئا ما ينتقص من فرحتي, لم أنم طوال الليل وبقيت أتامل شاشة الحاسب التي تعرض درجاتي العالية في اختبارات مواد الثانوية العامة.
تذكرت اشرف وأنه لو كان موجودا لكان لهذه الليلة معنى آخر , وحده كان قادرا على اتمام سعادتها. تذكرت هدية نجيب فانطلقت اليها أفض الأشرطة من حولها , ورغما عني ذرفت عيني بعض الدموع.
                               *****

لازلت مصرة على أن يشاركني الجميع سعادتي, في الصباح توجهت الى امي في المطبخ قبل أن أذهب الى المدرسة لاستلام ملفي وشهادتي وقلت لها :
-         أنا ذاهبة الى المدرسة يا ماما
-        لماذا؟؟ ألسنا في أجازة؟؟
-        ماما, لقد ظهرت النتيجة وسأذهب لاستلام ملفي
-        والله؟ وعملتي ايه؟؟
قالتها بغير اهتمام وهي تنظم شرائح الجبن الرومي فوق طبق مسطح ولكني تمالكت اعصابي وقلت وأنا أظن أن كلمتي ستقلب الموقف رأسا على عقب وستحول هذه اللامبالاة الى زغرودة عالية كالتي تتردد في بيوت الجيران منذ منتصف الليل:
-        97%
قالت وهي تكسر بيضة على حافة الموقد:
-        جدعة يا بنت
لم أجبها وغادرت مسرعة والحنق يملأني.
وعندما اجتمعنا على الغداء قال لي أبي:
-        والآن ما الكلية التي تنوين الالتحاق بها؟؟
حاولت استغلال الفرصة وانتزاع اي كلمة اعجاب تتناسب مع مجموعي وترضي سعادتي التي تعاني الوحدة في داخلي, قلت بحماس:
-        مجموعي يؤهلني لأي كلية في القسم الادبي , آثار , اعلام , سياسة واقتصاد,...
قاطعني ابي:
-        لا سياسة واقتصاد لا
وأيدت أمي:
-        واحنا مالنا بالسياسة ووجع القلب؟؟ والبنات مالهم ومال السياسة أصلا؟؟ وبعدين ايه كمان إعلام وآثار والكلام الفاضي ده؟؟ شوفي كلية خفيفة كده وأهي اسمها شهادة وخلاص , هي البنت ليها الا بيتها؟!!
كدت أنفجر أو أحطم طبقي فوق راسي وألطخ ثيابي بمحتوياته, ولكني لثاني مرة في هذا اليوم أتمالك نفسي واقول :
-        سألتحق بكلية الأداب قسم لغة فرنسية مثل اشرف
قالت أمي :
-        آاااه اشرف , ياترى انت عامل ايه وبتأكل ايه يا ابني يا حبيبي؟؟
يهيأ لي أن أمي اذا دعت لأشرف فهي تدعو أن يرزقه الله بطاجن من البامية ولحم الضأن!! اكاد أجن في هذا الدار. أنهيت طعامي بسرعة ولجأت الى غرفتي فما لبث أن لحق بي نجيب.
بعد قليل اتصل اشرف,و وكانت خطيبته قد اتصلت بي قبلها وهنأتني, سمعت منه أخيرا أكثر مما كنت أتمنى ان أسمع من ابي وأمي , كان سعيدا جدا ومتحمسا للغاية حتى أنه صاح بصوت عال عندما أخبرته بمجموعي , أخذ يكيل لي عبارات التهنئة لاكثر من ثلاث دقائق , أخبرته أني سأنفذ وعدي والتحق بالآداب فبارك اختياري وأخبرني أن أسأل عن مدرس هناك يدعى معتز المصري وأن ألجأ اليه في اي وقت فهما صديقين.
أخيرا تقاسمت فرحتي مع أحد غيري, في المساء خرجت مع صديقتي المقربة والتي قررت أن تلتحق بنفس الكلية.
ومع ذلك لايزال موقف والدي البارد ينتقص كثيرا من فرحتي, خاصة بعد أن عرفت ان فلانة أهداها أبوها خاتما ذهبيا وفلانة أقامت حفلا صاخبا أما فلانة ....., كفاني تحسرا , هذا بيتي وهذان ابوي ولا املك تغييرهما.
                               *****
استدعاني أبي الى مكتبه فكانت المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها صومعته المقدسة, لم تكن لدي فكرة عن ما يريده ولكني أستبعدت احتمال أن يكون هذا الاستدعاء بغرض التوبيخ, فتوبيخات ابي عارضة عادة وعلنية دوما وبالتالي فهي لا تتناسب مع هذه الجلسة الخاصة المغلقة. ومع ذلك كنت خائفة متشنجة في جلستي أمامه, تربينا منذ صغرنا على الخوف من مجرد مواجهة ابي أو النظر الى وجهه مباشرة فما بالي وانا أجلس قبالته في هذا المكان الذي لم أدخله من قبل قط والذي تحده المكتبات الضخمة المكدسة بكتب عملاقة كلها في المجال العسكري أو السياسي من كل الجهات, وتزينها صور زعماء الثورة الأوائل الراحلون ما يضفي المزيد من الرهبة على المكان والموقف بحد سواء.
قال لي مباشرة وبصوته الهادئ شبه الخالي من اي انفعال:
-        هل فكرتي في ترتيب الرغبات التي ستقدمينها في مكتب التنسيق؟؟
-        أنا انوي الالتحاق بكلية الأداب ومجموعي يؤهلني لها بسهولة
-        ولكنه يؤهلك لكليات أفضل كذلك, اريد أن أقول لك أني لا أمانع التحاقك بالاعلام أو الآثار كما ذكرتي ودعك من كلام أمك, ولكن اياك والسياسة والاقتصاد, سيدرس لك فيها رجال النظام الفاسد أو من يتملقونهم و سيدسون في عقلك كل يوم أفكارهم الفاسدة التي خربت البلد.
-        ولكني يا ابي أحب كلية الأداب واحب اللغة الفرنسية وهذه هي ارادتي الحقيقية
-        كما تشاءين,..يمكنك الانصراف الآن.
هل هذا كل شيء؟؟ أفهم اهتمام ابي منذ بقي ساهرا حتى الواحدة صباحا ليلة ظهور النتيجة مخالفا بذلك مواعيد نومه الصارمة في تمام العاشرة, وعندما بدأ هو الحديث على الغداء, وهاهو اليوم يثبت لي اهتمامه الحقيقي. صحيح أنه صارم وصعب المراس ولكنه أبدا لم يكن قاسيا.
مشكلتي أنني لا يكفيني مجرد الاهتمام, أريد الفرحة , أريد كلمة ثناء أو اعجاب بالغ منك يا أبي, أريد زغرودة منك يا امي وليس ذنبي أنك لم تتعلمي مثل هذه المهارة, أريد تباهيا بي أمام الجيران والأقارب وليس استغلالا لاختياري لكلية متواضعة لينتقص من مجموعي أمام الناس خوفا من الحسد.
هل لزواج سندريلا من أميرها الوسيم طعما ان لم تعلن الأفراح والليالي الملاح بطول المدينة وعرضها , وتعلق الزينات وتنصب الولائم ؟؟
مرة أخرى اعود للتحسر . هاهو نجيب لا يتركني لحظة ويجلس الى جواري أمام شاشة الحاسب يشاركني اختيار الرغبات الاربعين عديمة القيمة بعد ثقتي من تحقق الرغبة الأولى. ألا يكفيني نجيب؟؟
                               *****

يحرص أبي على متابعة البرامج الاخباريةالتاريخية من أمثال (كنت مسئولا) و(شهادة للتاريخ) وكانه يسعى لسد الفجوة التي خلفتها في داخله سنوات الأسر بين الماضي والحاضر. عادة ما يتابع هذه البرامج وحيدا في غرفة مكتبه ولكنها تذاع في وقت الغداء او العشاء فنضطر جميعا الى الاستماع الى مالا يعنينا ولا نفهمه من خلال التلفاز الموجود في حجرة المعيشة. فنحن نتناول طعامنا في حجرة المعيشة لأن الجناح الشرقي من الشقة والذي يضم السفرة وحجرة الاستقبال محظور على اهل البيت دخوله حتى نحافظ عليه نظيفا ومرتبا جاهزا لاستقبال الضيوف, وكأننا جماعة من الهمج نسكن البيت ولن نلج مكانا الا أفسدناه وجعلنا عاليه سافله مع أن غرفتي تشهد بغير هذا حتى انني استقبل فيها صديقاتي , حتى نجيب الصغير لم يكن ابدا فوضويا ولا مهملا.
أقول أننا كنا نشارك ابي أحيانا مشاهدته لهذه البرامج التاريخية وكنت احيانا أتأمل نظرات أبي الى الضيف الى الضيف فادرك أنه كان يعرفه معرفة شخصية فيما مضى, برغم ثبات نظراته أرى فيها اعجابا بالانجازات التي يرويها بعضهم أو تكذيبا لروايات آخرين.
قبل أن يسافر اشرف كانا يتبادلان التعليقات وتستمر المناقشة بينهما لعدة ساعات بعد انتهاء عرض البرنامج وكان حديثهما دوما يدور حول موضوع واحد هو ما آل اليه حال البلد من فساد مستشر وفوضى عامة, ولهذا كان لأشرف حظوة خاصة عند ابي حتى انه كان يدعوه لمشاهدة البرامج معه في غرفة مكتبه.
أما الأن فهو يتابعها وحيدا واذا حدث وتابعها في حضورنا فهو يكتفي بعد الحلقة ببعض العبارات الساخطة دوما والمتهكمة أحيانا. من الواضح أنه بفتقد اشرف وأحمد الله انه لم يتخذني خليفة له. لكنه صار يخصني بعض الأحاديث بعد أن دخلت الجامعة وبالتحديد منذ ذلك اليوم الذي استدعاني فيه الى صومعته أقصد مكتبه, من الواضح انه اعترف بكينونتي بعد أن كنت نكرة من قبل.
لم يكن يطيل الحديث معي كما كان يفعل مع اشرف ربما لانه لم يكن يجد مني تجاوبا كالذي كان يجده منه وربما ايضا لأنه لا يتحدث الي فيما كان يحدث فيه أشرف والمرة الوحيدة التي ذكر لي فيها السياسة كانت تحذيرا من الانخراط في اي نشاط سياسي داخل الجامعة أو خارجها, لقد ادرك ابي أنني كبرت واقبلت على عالم مفتوح ولهذا كان يبثني من خبراته من خلال أحاديثه معي. برغم صرامة ابي وجفاء طباعه الا انه شخصية متفتحة وذكية , وما ادهشني شخصيا أنه شخصية رومانسية للغاية.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها دموع ابي والتي أرى فيها ايضا تلك الزهرة الجافة التي كانت حمراء يوما ما على ما يبدو والتي تسكن ديوانا شعريا منذ أكثر من نصف قرن.
حكى لي يومها عن حبه الأول وعن حبيبته الجميلة وعن احلامهما معا التي بددتها سنوات الاسر الطويلة. لقد أصبحت زوجة لأحد الرجال المهمين في الدولة ومع ذلك فقد اهتمت بارسال بطاقة تهنئة بعد عودته من الأسر. لا يمكنه ان يلومها, هو نفسه لم يكن يظن أنه سيعود يوما, هكذا قال وهو يحاول حبس دموعه التي تسربت رغما عنه من بين جفنيه.
بعد تقاعده الاجباري سافر الى مسقط راسه وقد عزم أن يستقر هناك ولكن ابناء عمومته كانوا قد يأسوا من عودته أيضا فلم يحفظوا ميراث ابيه. تظاهر ابي لما علم بهذا بأنه قد جاء في زيارة عادية ولم يحاول استرداد حقه ولم يعرضوا هم عليه ذلك. تزوج من ابنة عمه التي مات عنها زوجها قبل عام وعاد ليستقرا معا في القاهرة.
تقول امي انها لم تحب احدا الا أبي وأنه كان يؤلمها حبه لغيرها, وبرغم زواجها من غيره الا انها ظلت تحبه ولذا كانت سعيدة جدا عندما عاد من الاسر وتزوجها.
هل كان ابي يدرك هذا؟؟ هل قرر أن يسعد قلبها بع ذاق هو الآخر جرح الهوى؟؟ اعتقد هذا. فبرغم أن ابي لم يحب امي قط كما فهمتمن حديثه ولكنها تقسم أنه يذوب في هواها.
أضيف الى صفات ابي أنه ماكر أيضا.
                               *****       

السبت، 4 سبتمبر 2010

معتز


قررت أن اتبع العادة المصرية وأهدي ادوارد اكياسا ورقية معبئة بالفاكهة الطازجة, ولما وصلت الى بيته استقبلني والى جواره شقراء قصيرة القامة , استنتجت أنها صديقته . تعجب بالطبع مما أحمله  ولكن صديقته تناولتها مني وهي تشرح له أنها عادتنا في مصر, فأعجب بالفكرة.
قدم لي ادوارد صديقته. تدعى جيسيكا , ناشطة في احدى منظمات حقوق الانسان. سألتها عن سر معرفتها بعاداتنا في مصر فقالت انها قضت قرابة شهر في القاهرة بعد احداث المظاهرة الأخيرة لإحدى حركات المعارضة.
تملكني شعور جامح بالخجل والاحراج اثر ذكرها لذلك اليوم السخيف الذي شغلت أحداثه المؤسفة الراي العام لوقت طويل , ولكن جذب انتباهي أمر آخر وسألتها:
-        ولكني لم أعرف أن منظمات حقوقية قد حققت في الأحداث
-        لم يكن تحقيقا لقد كان مجرد متابعة للحدث ورفع تقرير عنه, كما أننا ذهبنا بموجب دعوة من احد قادة المعارضة؟؟
مططت شفتي في امتعاض وقلت:
-        أمر مؤسف؟؟
-        ولماذا تعتبره كذلك؟؟ هذا حقه وهذا دورنا
-        وهل فعلتم شيئا؟؟ كما قلت لقد اقتصر دوركم على كتابة تقرير , كل ما حدث أنه أساء الى سمعة بلاده و سمح للتدخل الاجنبي
-        هذا الكلام هو الذي تبررون به سكوتكم على انتهاك حقوقكم ,ما يكرس قمع الأنظمة المستبدة التي تحكمكم
-        أنت تتحدثين من وجهة نظر واحدة لأنك استمعت الى طرف واحد, ربما تعاملت الحكومة بأسلوب قمعي في هذا اليوم ولكن هذا لا يعني أننا نعيش تحت وطأة حكم ديكتاتوري مستبد, كل الأنظمة  الحاكمة في كل الدنيا وعلى مدار التاريخ تتصدى لمعارضيها ولو بالقوة.
-        ومع ذلك لا يجب ان ترضخ الشعوب.
-        ولا يجب أن تستعين بغيرها لاسترداد حقوقها
-        نحن لسنا حكومة او دولة , بل اننا منظمة غير رسمية على الاطلاق
-        ولكن تقاريركم ترفع لمنظمات أخرى رسمية حيث يمكن ان تستغل بواسطة قوى عالمية معينة لتحقيق مصالح معينة
-        مسيو معتز , هذه شئون سياسية لا علاقة لنا بها, نحن ندافع عن الانسان لإنسانيته وليس لانتمائه السياسي
-        أنا أقدر هذا ولا أعيب عليكم جهودكم , ولكني اعيب على من دعاكم بدعوى الحقوق الانسانية وهو في الحقيقة أغراضه سياسية بحتة.
تذكرت لحظتها خالتي التي سافرت قبل أكثر من عشرين عاما الى السعودية للعمل مع زوجها , وهناك أنجبا ابنة خالتي التي لم ارها الا في الصور الضوئية. وبعد أن تجاوزت العشرين وبلغ الكبر أبويها وتمنيا ان يعودا لقضاء ما تبقى من عمرهما في أحضان وطنهما ووطن ابنتهما, كانت هذه الأخيرة هي العقبة في طريقهما.
طبعا, فمصر بعد ما رأته وسمعته على شاشات الفضائيات ليست الا بلدا متخلفا موبوئا بالفساد والقمع والجريمة. كانت تحذر أبويها من انها ان عادت الى مصر فستتعرض للاغتصاب.

تدخل ادوارد لينهي المناقشة التي كانت  قد أوشكت على أن تتخذ منحى حادا واستطاع بمهارة أن يحول دفة الحديث الى المرح والحديث الودي. اشتركنا في اعداد الشواء ورتبت مع ادوارد المائدة للغداء ثم شاهدنا نحن الثلاثة فيلما فرنسيا كوميديا حتى الغروب وعندها استاذنت ومضيت .

في غرفتي بالفندق فتحت التلفاز وكانت احدى الفضائيات المصرية تعرض تقريرا عن الفقر والجهل في الصعيد. كانوا يتفننون في اظهار مشاهد البؤس والشقاء , وعلى عكس ابنة خالتي التي لا اعرفها , فقد زادت هذه المشاهد من حنيني الى الوطن.

                              *****
لم تكن لدي مواعيد هامة هذا الصباح وكان هناك الكثير من الأوراق يجب ترتيبها ومسودات يجب تبييضها ومراجع ينبغي الاطلاع عليها وتسجيل الملاحظات. اتصلت بادوارد من هاتف غرفتي وطلبت منه أن يرسل إلي اشرف فور وصوله, وطلبت من خدمة الغرف افطارا لشخصين.
وصل أشرف قبل الافطار , في موعده كما اعتدت منه , سألته عن حال محمود وتجنبت الخوض في اي حديث آخر , لا أريد أن أزيد همه , كل شيء فيه ينطق بعدم الرضا ولا أظنه بحاجة لأن أذكره بمدى سوء وضعه , بل هو بكل تاكيد بحاجة لألا افعل.
قضى عدة ساعات غارقا في الأوراق التي أعطيته اياها يبيض ويرتب ويصنف وفقا لتعليمات مسبقة مني , أعجبني حماسه وجديته, وشعرت أنه يلهي نفسه بالعمل ويشغلها عن شيء آخر, يهيأ الي انه لم يرفع عينه لحظة واحدة عن الأوراق ولم تبدر منه تنهيدة ولم يرتشف من كوب الماء الذي الى جواره و بل لم يغير من جلسته حتى.
ناديته فالتفت نحوي بعينين حمراوين فارتفع حاجباي مندهشا وقلت له:
-        رويدك لا تقسو على نفسك هكذا.
-        لا عليك, انا مستمتع بالعمل
-        هذا جميل ولكنك ترهق نفسك جدا , لابد أن تأخذ قسطا من الراحة
فرك عينيه وقال:
-        أظنني بحاجة الى ذلك بالفعل
-        ما رأيك في كأس من عصير الليمون ؟؟
أومأ برأسه موافقا بغير اهتمام فكررت اتصالي بخدمة الغرف. استرخى في مقعده وهو يمسك بكأس العصير البارد وبدأ هو الحديث قائلا:
-        كان أبي ضابطا بالجيش قبيل النكسة, وفي هذا اليوم المشئوم أسر ولم يعد الا بعد عشرين عاما..
سكت لحظة ثم أردف:
-        على كرسي متحرك.
قطب جبيني أسى وحزنا وشعرت بالفعل بقبضة تعتصر قلبي , لم أجد ما اقوله , واستطرد اشرف في سخرية حزينة:
-        كان المقابل تسليم جاسوس كشفته المخابرات المصرية..
ومال نحوي وقال ضاغطا على حروفه:
-        سرا و قبل اجراء أي تحقيق
وضع كأسه على المكتب ونهض قائلا في انفعال :
-        بدون تحقيق, بدون أن نعرف المعلومات التي جمعها , أعضاء الشبكة التي ينتمي إليها, كيف تم تجنيده, أي هراء هذا؟؟
-        ولكن لابد أن والدك كان ضابطا مهما جدا بالجيش حتى يقايضوه بهذا الثمن الفادح.
-        كان والدي برغم صغر سنه وقتها ملقبا بالحرباء , لانه كان معجزة في التخفي والتسلل والتمهيد للعمليات الكبرى وكان يبتكر في كل يوم خدعة جديدة وطريقة فريدة , وابدا لم تنفد حيله.
-        هذا رائع
-        عشرون عاما قضاها ابي لا يرى كل يوم الا وجه سجانه وجلاده , يتسلون بتعذيبه ليس اكثر , لم يعلم شيئا عن حرب الاستنزاف ولا نصر اكتوبر ولا معاهدة السلام , لم يدرك حتى كم مر عليه من السنين في الأسر,لقد خرج رجلا من الماضي .
تابعته مذهولا مترقبا لباقي الحكاية, كان وجهه قد احمر وارتفع صوته وهو يقول :
-        كبف يقبل بالسلام مع من عذبه لعقدين من السنين؟؟ كيف يقبل أن يسمع من وزير الخارجية أن اسرائيل دولة صديقة؟؟ أو أن يتعامل بشكل طبيعي مع "التطبيع"؟؟
كيف يقبل أن يكون ثمن حريته نجاة خائن دون أي عقاب؟؟
كان ينظر من بعد خلال النافذة المطلة على أحد الساحات الشهيرة بالعاصمة البلجيكية , التفت نحوي وقال :
-        كل هذا لا يعدل صدمته حين عرف المهمة التي كلفوه بها, تدريب فريق من الامن المركزي على الهجوم على معسكرات الجماعات الاسلامية.
بهت لما قال وألجم لساني وتابع أشرف:
-        قال أبي حينها: " لن اصادق من عذبني واقعدني على هذه العجلات وأحارب أبناء وطني, تحدثوا اليهم , استمعوا لهم, فاوضوهم كما تفعلوا مع غيرهم , ولكني لن أشارك في هذه المهزلة"
وضحك ساخرا ثم استطرد:
-        في اليوم التالي تقاعد أبي مبكرا لظروفه الصحية. والآن قل ما رأيك ؟ هل اعود ؟؟

                               *****
لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة , ولا أعتقد أن كل ما جرى كان بدافع سوء النوايا أو الخيانة , ولكنها سلسلة من الأخطاء وسوء التقدير او سوء الفهم. سوء تقدير القيادات العسكرية أدى الى النكسة, اهتز الجميع لعنف الضربة التي تلقاها الوطن , علت الأصوات المعارضة المشككة لحكم الثورة , فتجرأ السادات على التخلي عن أغلب مبادئها, تلهف للسلام بعد عقود من الحروب وسال لعابه امام بعض الاغراءات, تهورت المعارضة وثارت حفيظة الشعب وانتهى أمره بوابل من النيران في يوم النصر ليكون فاتحة لتفجر أزمة الجماعات الاسلامية ,وعندما بالغت الحكومة في الرد كان تكريس القمع نتيجة لا فرصة لغيرها.
لقد انطلق قطار الفوضى منذ زمن ولكن الحل ليس أن نقفز منه ونتركه يمضي, ان فعلنا قلت حمولته وزادت سرعته,ناهيك عن انه لا أحد ينجو سالما من القفز خارج قطار مسرع الا من اتخذ من أجساد من سبقوه وسادة تحميه وتقتلهم. فهو اما هالك أو قاتل.
حاولت أن أقنع أشرف بهذا ولكنه نصحني بالتخلي عن الشعارات, "لم يعد هناك خير في بلدنا , واللي عايز يعيش لازم يطلع منها"
-        تعني انك لا تنوي أن تعود أبدا؟؟
صمت لثانيتين ثم قال:
-        لست أدري؟؟
-        وماذا عن حبيبتك التي خلفتها وراءك؟؟
أطرق وعاد للنظر عبر النافذة فأدركت أني نكأت جرحا غائرا. أنبت نفسي وفكرت أن أحول دفة الحديث وأن نعود لمواصلة العمل لكنه سبقني قائلا في عصبية:
-        وهل كنت سأفوز بها لو بقيت في مصر؟؟ لقد تقدمت لخطبتها قبل عامين , دفعت كل مدخراتي ثمنا لخاتمي الخطبة, ومن يومها لم أتمكن من تدبير ثمن حلة العرس حتى!!
لم أرد . كنت اريد أن ينتهي هذا الحوار بأي شكل وبأسرع ما يمكن. وتابع بعد ثانية أخرى من الصمت:
-        قريبا بإذن الله ستتحسن أحوالي وسأرسل لها لتلحق بي الى هنا
ثم التفت نحوي وقال بحماس:
-        وسأستقدم ايضا أبي وأمي.. وعلياء لتدرس في جامعات أوروبا , ونجيب الصغير كذلك, وسنحيا هنا افضل بكثير من الضنك الذي نتجرعه يوميا هناك.
ياااااه, ءإلى هذا الحد؟؟ قابلت كثيرا من الساخطين ولكن لم أعرف أبدا شخصا يحمل كل هذا القدر من النقمة , أدركت أنها ليست نابعة من داخله وإنما زرعها داخله حديث والده المليء بالسخط واليأس بكل تاكيد, وتكفلت الأوضاع السيئة التي يتخبط الوطن في ظلماتها بتأصيل جزورها ومد فروعها الى كل أركان صدره الضيق.
اومأت له برأسي وقلت :
-        ان شاء الله
ثم استطردت مبتسما:
-        لقد نسيت الليمون ولن يكون لذيذا لو خفت برودته
عاد الى كأسه ومقعده في صمت , وعندما عدنا الى العمل لم أفكر مجددا في مقاطعته, فامثاله لا يعرفون ابدا معنى للراحة.

                               *****
في الصباح التالي وجدته شاحبا مصفرا مأخوذا الى حد ما, سألته عن سبب حالته فأخبرني أنه لم ينم البارحة واضطر مثل الجميع الى ترك المسكن وقضاء الليلة في أي مكان, لأن الشرطة ألقت القبض على أحد زملائهم وتم تسليمه للسفارة المصرية لترحيله.
من المحتمل جدا أن يكون قد أخبرهم –سواء في الشرطة أو السفارة- عن موقع الوكر الذي يأويهم وهذا يعني أن يلحقوا به جميعا.
لم أشعر في الحقيقة بتعاطف كبير و وجدت نفسي أتمتم:
-        بوني الرهيب
نظر الي أشرف متعجبا فابتسمت وقلت له:
-        هذا هو الاسم الذي أطلقه الانجليز على نابليون بونابرت سخرية منه بعد هزيمته في ووترلو , هل تعلم لقد ابقوه في السفينة التي ستحمله الى منفاه لعدة أيام كان السياح يأتون خلالها من كل حدب وصوب ليشاهدوا بوني الرهيب.
لم أدرك الى أي حد كانت مقارنتي واقعية الا في اليوم التالي عندما قرأت في الصحف المصرية خبرا عن بدا اجراءات اعادة 50 مهاجرا مصريا أوقفتهم الشرطة البلجيكية ضمن حملة أوقفت خلالها أكثر من 200 متسلل و مهاجر غير شرعي.
نشرت الجريدة صورا لعدد كبير منهم وأدرجت أسماءهم بالكامل, اذن لدينا الآن 50 بوني ولكن أحدهم  ليس رهيبا. منذ ذلك اليوم عرفت طعما ومعنى جديدا لبحثي بخصوص نابليون بونابرت...الامبراطور...القصير

                               *****
الى أي مدى نشبه نابليون؟؟ الى اي درجة يتوغل في أعماقنا هذا الازدواج الرهيب بين العظمة والدونية؟؟
 نؤمن أننا عظماء, عظماء بتاريخنا, بأصالة حضارتنا, بقيمنا , بمجرد انتمائنا الوطني أو الديني أو حتى العرقي. من منا لا تخامره لحظات من الزهو ,أو على اقل تقدير, من الاعتزاز بأي من هؤلاء أو بهم جميعا ولو لم يفصح عن شعوره؟؟
من منا لم يزرع فيه هذا الاعتزاز منذ الصغر؟؟
وفي الوقت نفسه ولنفس الأسباب تتأصل في داخلنا مشاعر الدونية والنقص. نخفض رؤوسنا خجلا من انتمائنا, من عرقنا, ورغم المكابرة, من ديننا أحيانا. نهدم بأيدينا رموز تاريخنا ونذكر انفسنا في كل لحظة بتخلفنا عن ركب الحضارة بعد أن كنا السادة في كل الميادين, نفعل هذا بغية بث روح الحماس واعلاء الهمم  والحقيقة أننا ما قلنا هذا الكلام ولا زادنا إلا تحسرا ويأسا وتقصيرا لقاماتنا.
أين الحقيقة؟؟
هل نحن الاباطرة العظام؟؟
أم هؤلاء القصار الضئال التافهون؟؟
أم أننا مثل نابليون , أباطرة قصار؟؟
أجل, اننا نابليون , كلنا نابليون , أشرف وزملاءه نابليون, خالتي وزوجها نابليون, ابنة خالتي التي لا أعرفها نابليون .. وربما أنا ايضا ,رغم أني أحاول ألا أكون كذلك, ولكن محاولاتي هذه نفسها تثبت أنني نابليون.
إذن فهل ينتظرنا جميعا مصير نابليون؟؟ هل سنتلقى هزيمة نابليون؟؟ وما اسوا الهزيمة عندما تكون هزيمة امبراطور !!

في يوم هزيمة الامبراطور تجمع آلاف المشاهدين حول ساحة ووترلو , البعض احتل مقاعد مظللة أو مقصورات للشخصيات الهامة والكثيرون تزاحموا وقوفا متلهفين لمشاهدة الهزيمة, هزيمة الامبراطور.
كنت أجلس على يمين استاذ بجامعة بروكسل كنت اراسله عبر البريد الالكتروني قبل سفري وهو من دعاني في الحقيقة لهذه الرحلة, كنت أميل عليه معلقا على شيئا لفت انتباهي وكان يتذكر ملاحظات قد تفيدني في بحثي فينصحني بتدوينها في مفكرتي, وعلى يميني كان يجلس أشرف ينقل بصره بين الفلول المتلاحمة في الساحة وبين كتابه القديم وكأنه يراجع أحداثا قرأها أو يتأكد من ذكر بعض النقاط التي لم يصل اليها بعد بقراءته.
كان هناك معلق يذيع بعض التوضيحات والشرح عبر مكبرات صوت موزعة بترتيب دقيق, وبأكثر من لغة ما يسهل على غير المتخصصين فهم أحداث المعركة.
شاهدت نابليون يكاد يجهز على جحافل ويلينجتون ولكن الدائرة دارت عليه في النهاية بوصول بلوخر في الوقت المناسب وخيانة المارشال بورون.
رايت نابليون يصف حرسه الخاص صفوفا ويزج بهم في القتال في مواجهة ويلينجتون وحرسه, ثم يكاد يخوض القتال بنفسه غير عابئ بموته او حياته ولكنه يتراجع في اللحظات الأخير. يلوي عنان فرسه ويعود مهزوما الى باريس مرددا عبارته الذي حفظها التاريخ :"خسرنا كل شيء الا الشرف"
عاد نابليون ليتنازل عن عرشه ويسلم نفسه لقوات أعدائه ليتحول الى بوني الرهيب, لقد انهزم نابليون.

خلال الأسابيع التالية كنت اقضي أوقاتا طويلة في الحديث مع أشرف , عن نابليون وعنا وعن مدى تشابهنا وعن خطورة هذا التشابه الذي سيؤدي بنا حتما الى هزيمة مثل هزيمته, ولكنه كان يضحك  ويقول أنه برغم حبه لنابليون الا أنه يوما لم يحاول أن يتقمصه. كان يفعل هذا في البداية ولكن بعد ذلك اخذت مناقشاتنا تتخذ منحى حادا وعصبيا, قال لي ذات مرة أنه لا يشبه نابليون لأن نابليون كان امبراطورا أما هو فليس امبراطورا, وان كان يشبهه في شيء ففي كونه قصيرا.
وبرغم كل اليأس الذي تحمله عبارته فقد تفاءلت خيرا, وأدركت وأنا أصافحه في المطار لدى عودتي الى القاهرة أنه سيلحق بي قريبا.

                               *****