الاثنين، 25 أكتوبر 2010

معتز




كيف تطورت الأحداث بهذه السرعة؟؟ وكيف انزلقت الى هذا المنحدر المفضي الى الهاوية؟؟ اذكر يوم جاءتني تطلب التحدث الي وكانه كان أمس. كان
الشتاء يلملم أذياله في منتصف شهر مارس ولكن السماء كانت تمطر بغزارة. كنت أتوقع أن تأتيني أو بالأحرى أنتظر ذلك منذ مدة طويلة, منذ علمت بعلاقتها بشهاب, وقتها راودني قلق عميق بشأنها. ليس لاعتراضي على شهاب بشخصه , بالعكس فشهاب - الذي ادرس لفرقته في جلسات الترجمة العملية- مشهود له بحسن الخلق والاستقامة وأنا نفسي احترمه وان كنت متأكدا من أنه يخفي سرا هائلا, ولكني كنت مدركا تماما أن علياء غير مؤهلة لخوض تلك التجربة في ذلك الوقت. لم أذهب اليها فأنصحها كنت أعلم أنها هي من ستأتيني ووقتها ستكون أكثر استعدادا لتقبل النصائح من أي وقت آخر.
كنت أتابعها من بعيد , أدركت أنها توقفت سريعا عن محاولات ايجاد حلم, وأن الانتشاء الروحاني الذي تسبب فيه اعجابها بشهاب جعلها تميل الى تصديق كلام أمها. أؤمن أن الحب هو انفس وأثمن ما يمكن أن يحصل عليه انسان في هذه الدنيا , ولكني لا اراه يصلح كهدف في حد ذاته.الحب كمظلة تقينا قيظ نوازل الدنيا أو قارب يحملنا فوق أمواج الحياة المتلاطمة , ثم ماذا لو فرضنا -جدلا- أن الحب في ذاته هدفا فمن ذا الذي قال أن للانسان هدفا نهائيا, ان الوصول للهدف يحدد الهدف التالي وتحقيق الحلم يلهم الحلم الذي يليه. حتى الفشل يلهمنا عزما جديدا. هذا ان تعلمنا كيف نحلم, ان تاكدنا أننا قادرون على تحقيق أحلامنا وآمنا اننا نستحق أن نحلم وأن نحقق احلامنا.
لماذا لا نقدر انفسنا؟؟لماذا لا نحبها بل ان بعضنا يكرهها دون أن يدري؟؟ لماذا نعاند فطرتنا؟؟ جبل الانسان على حب نفسه وحب عشيرته وقومه , وجاءت الشرائع السماوية والمذاهب الفلسفية لتروض هذه الفطرة فلا يتحول الى تعصب أعمى أو جبروت مستبد بل توجهه الى طموح يرضي غروره ويدفعه نحو بناء حياة افضل لقومه, وهكذا تدور عجلة الحياة نحو التطور المستمر .
ولكننا فقدنا دفة التوجيه, فقدناها رغما عنا أو تخلينا عنها بارادتنا , أيا ما كان الا أننا لا يمكن أن نتخلى عن فطرتنا , أفلتت منا ككلب صيد اصابه السعار والجنون معا؛ يهاجم دونما تمييز فلما أفلتت فريسته راى نفسه هرا ضعيفا فراح يهاجم الجرذان والأفراخ, لاتزال فيه فطرة الصيد  ولكنه ما عاد يمشي شامخا بارز العضلات بل منكمشا مقوس الظهر كقط سقط لتوه من عل. واذا ذكره أحدهم بماضي امجاده في اصطياد الثيران ظل هو يذكر غزلانا افلتت من بين براثنه.
لماذا ينصب النصاب ويسرق السارق ويرتشي المرتشي ويتجبر الجبار؟؟ لماذا يستبد الحاكم وتنقلب الأنظمة وتندلع الحروب؟؟ لماذا يحطم الجماهير الملاعب بعد مباراة خاسرة؟؟ لماذا لا تتوجه كل هذه الطاقات الهائلة للتنمية؟؟ ليست مشكلتنا وحدنا بل هي مشكلة العالم بأسره, العالم كله نابليون, يرى اسوا صفاته ويغفل عن عظمة خلقه, وسوء الصفات دائما يوحي بسوء التصرف.
جاءت لتحكي, كان واضحا أنها لا ترغب في أكثر من الحكي و لم اكن أعرف بأمر صديق والدها القديم فلما روته تأكدت من أنها تعيش حبا زائفا , ولكني تركتها تكمل حكايتها .
انتقلت من نفسها الى أخيها ثم أبيها وأمها , اشفقت عليها من بيت ممتلئ بالاحباط , من هواء مفعم بالرسائل السلبية التي يرسلها الأب بعباراته الناقمة والام بتصرفاتها اللا مبالية وفلسفتها الساذجة للحياة. أي مقبر للأحلام افضل من هذه. في بيت كهذا تجهض الأحلام قبل أن تولد,  لا عجب أن يسافر الابن الأكبر بلا هدى , وتتوه الابنة في فوضى الجهل بالحياة الحقيقية ويتسلم الابن الاصغر طريق الاحباط مبكرا.
كم من بيت مثل هذا فيك يا وطني؟؟
أما آن لنا أن نقتل نابليون الذي يتلبسنا جميعا؟!!
عندما انتهت من حكايتها اعتذرت عن تعطيلي وازعاجي ورحلت مسرعة دون ان تنتظر مني تعليقا. يومها كتبت خطابا الى اشرف, لا أدري متى قد يتصل بي كما أن الاتصالات الدولية لا تسمح باطالة الحديث. أرسلته الى عنوان المطعم , أنا الوحيد في مصر الذي أخبره اشرف بعمله الحقيقي وبرغم اسفي لما أخبرني إلا أن ثقته تلك جعلتني أتأكد أن كلامي لا يزال في عقله يجوس خلاله وأنه قريبا سيفتح أمنع حصون تفكيره فيقتل نابليون القابع داخله.
متى كان هذا ؟؟
منذ ثلاثة اشهر تقريبا , اذكر بعدها بيومين لاحظت تحركات أمنية ما بين الطلاب وكان شهاب مركزها, لم تكن تحركات عادية كالتي تتم بشكل روتيني للمراقبة أو التضييق أو حتى اعتقال بعض الكوادر السياسيين من الطلبة, كانت  مختلفة الى حد بعيد ومنظمة الى حد أبعد وخفية للغاية الا أنني .لاحظتها بالكاد لاني من هواة التأمل ومتابعة أحوال تلاميذي لم تنقطع هذه التحركات على مدة الشهور الثلاثة حتى كان هذا اليوم المشئوم, كانت امتحانات نهاية العام قد بدأت وبدأت أنا اضع اللمسات الأخيرة على رسالتي استعدادا لمناقشتها التي اقتربت جدا , كنت امر بالصدفة ولم أنتبه الى أن علياء وشهاب يقفان على بعد مترين مني عندما صاح شهاب بأعلى صوته:
- لا ..لن تستمر هذه المهزلة..لن أحتمل هذه الحياة القذرة
توقف كل المارين او أغلبهم وساد الساحة صمت مهيب واستدار شهاب ورفع ذراعيه عاليا وصرخ مناديا :
- أين أنتم يا رجال الشرطة؟؟ , اين أنتم  يا رجال المخابرات؟؟..تعالوا والقوا القبض على هذا الجا...
ولم يتم عبارته..ولن يتمها ابدا..
فقد تفجرت راسه في ثانيه مطلقة وابلا من الدماء والاشلاء وصرخت علياءالدماء تغرق وجهها وملابسها قبل ان تسقط فاقدة الوعي. 
والآن ترقد ممدة في غرفة للرعاية المركزة تتلقى العلاج من انهيار عصبي حاد
هذا اليوم اذكره بالتحديد, انه يوم هزيمة الامبراطور..18يونيو

*****

حاولت الذهاب مع علياء عندما حملتها سيارة الاسعاف, ولكن أحد رجال الشرطة -الذين ملئوا ساحة الكلية في ثانية- منعني. ساحة الكلية محاطة بمبانيها  من الجهات الأربع وهذا يعني استحالة ان تكون الطلقة الغادرة قد أطلقت من خارج الجامعة أو من خارج النطاق الكلية تحديدا. حوصرت الكلية بسياج من عربات ورجال الامن المركزي ولم يسمح بخروج أحد قبل تفتيش وتحقيق دقيقين . لم يستثن أحد, لا العمال ولا الطلبة ولا حتى الأساتذة , حتى العميد نفسه تم نفتيش مكتبه وتفتيشه ذاتيا قبل ان يخضع لتحقيق لا يقل دقة.
كنت من أوائل من حقق معهم , كانت الصدمة لاتزال مسيطرة علي, مجرد اعادة تذكر المشهد كانت تصيبني بالدوار والغثيان , ومع ذلك استمر التحقيق لمدة ساعتين, وقبل ان أغادر طلب مني الظابط وهو يسلمني بطاقة تعريفه أن أعاود الاتصال به ان أنا تذكرت شيئا أو علمت شيئا. اكدت له أني سأفعل وودعته وانصرفت.
عندما لحقت بعلياء في المستشفى كانت ترقد وسط الأسلاك والاجهزة ذات الأزيز المتقطع خلف حاجز زجاجي وقفت أمها مستندة اليه تنتحب بشدة والى جوارها نجيب يذرف دموعا صامتة , أما الاب فقد كان ساخطا وغاضبا كما عرفت أنها عادته 
- اغتيال داخل الحرم الجامعي!! أي انتهاك لسيادة البلاد !!
كان غاضبا بشدة حتى ان عبارته جاءت عالية الى حد ما فوجدت أحدهم في ثياب مدنية يتقدم نجوه ويقول له بصوت خفيض,:
- سيدي , نحن نقدر شعورك ولكن يجب أن تعلم أن هذه القضية تدخل ضمن نطاق السرية المطلقة
اومأ له الأب برأسه بعصبية وهو يشيح بوجهه عنه فانصرف المخبر , حاولت تغيير الموضوع فسالته:
 - ماذا أخبركم الطبيب؟؟
لانت لهجته كثيرا وأحسست بلمحة من حزن حقيقي في صوته وهو يقول:
-  انها بخير ولكنها لن تفيق من المهدئ قبل الصباح 
كنت أجلس الى جواره في الاستراحة القريبة من غرفة العناية المركزة فضغطت على يده وانا اقول:
- هون عليك يا والدي, شدة زائلة ان شاء الله
صمت لعدة ثوان قبل أن يقول في أسى :
- أرايت كيف طمسوا القضية حتى في نفوس أصحابها؟؟ نحن ندعو للسلام وهم يجندون أبناءنا ثم يقتلونهم اذا انتهوا منهم
عاد المخبر ليقول :
- سيدي هذه معلومات سرية ولا يجوز لك الافصاح عنها 
عندها صاح فيه:
- تعسا لكم ولسريتكم, أي سرية وقد تفجرت راس الشاب المسكين وسط الجميع؟؟ أم أنكم تنوون انكار حقيقة ما حدث بدعوى عدم اثارة البلبلة؟؟ البلبلةالحقيقية تحدث عندما نعمى عن أعدائنا الذين لا يغفلون لحظة واحدة
- سيدي أرجوك 
دخل الاستراحة عندها رجل طويل القامة , اصلع, يتخلل الشيب شاربه المشذب بعناية وما بقي من شعر رأسه , كان يرتدي حلة أنيقة ويسير بخطوات عسكرية منتظمة, اشار للمخبر ان يعود الى موقعه وتوجه نحوي مصافحا:
- مرحبا د/معتز
لم افاجأ انه يعرفني ومع ذلك فلم أنبس ببنت شفة وأنا أنهض من مقعدي واصافحه , كنت اشعر أني اعيش احد الأفلام البوليسية وكان هذا يجعلني مبهوتا تماما من كل ما يجري من حولي مهما كان متوقعا أو طبيعيا
اتخذ الرجل موقعه الى جوارنا وقال بصوته الواثق:
- منذ أكثر من عام ونحن نراقب شهاب, كنا قد اكتشفنا وقتها مصادفة أنشطته التجسسية وعلمنا أنه يدير شبكة تجسس واسعة جميع اعضائها من طلبة جامعات مصر المختلفة, لم تكن لدينا معلومات محددة عن اعضاء هذه الشبكة ولا عن طريقة تجنيدهم ولا طرق الاتصال بينهم, ولهذا اخضعناه لمراقبة مكثفة ولكن ظل لدينا نقص شديد في المعلومات بل وحتى في الأدلة التي تمكننا من اعتقاله
أومأت له برأسي فتابع :
- عندما بدأ علاقته بعلياء توقعنا أنه سيحاول تجنيدها , بحكم صداقتي لوالدها كان لزاما علي تحذيره أولا وثانيا الاستفادة من امكانية مراقبة علياء مراقبة كاملة لنتعرف على الوسيلة التي يجند بها شهاب أعضاء شبكته. ولكن شهاب لم يكن يرغب في تجنيدها , لقد أحبها في الحقيقة.
تابعت الحكاية بكل حواسي وبدأت اتساءل عن سبب كشفه لما وصف بالأسرار منذ دقيقة
- ربما بدا مرحلة من المراجعات الذاتية وقرر العيش عيشة شريفة, او أن الموساد أدرك أنه يوشك أن يسقط في الفخ الذي ننصبه له, لسبب او لآخر شعر مجندوه أنه صار خطرا عليهم و قرروا الاستغناء عنه , كانت مهمتنا خلال الشهور الماضية حي محاولة تامينه وكذلك محاولة اسقاط الشبكة أثناء مرحلة انتقال القيادة الوشيكة ولكنه بتصرفه المتهور هذا الصباح أفسد جميع خططنا, ما لا تعلمه أنه في نفس الوقت الذي اغتيل فيه تم حرق شقته   وتحويلها الى رماد لينتفى معها أي طرف خيط
- ولماذا لم تقوموا بتفتيشها  منقبل؟؟
- بالطبع فعلنا ولكنه ليس بالسذاجة التي تجعله يترك دليلا ضده في مسكنه
- لماذا اذن تم حرق الشقة الأن؟؟
- هذا ما جئتك بشأنه 
نظرت اليه مهتما فقال:
- هناك احتمال انه ربما تعمد ترك دليل خاصة أنه كما يدل تصرفه صباح اليوم كان ينوي أن يسلم نفسه, وهناك احتمال آخر أنه كتب اعترافا شرح فيه كل شيء.
- وتركه في شقته؟؟
- لو فعل لكان بالغ السذاجة, ومع ذلك كان لابد من حرق الشقة من باب الاحتياط
- لا افهم
- لقد أخفى شهاب اعترافاته في مكان ما بالخارج ولقدأخبرك به بالأمس
- ماذا؟؟
- كان بالأمس امتحان فرقته في المادة التي تدرسها 
- أجل 
- وقد جاءك مع بعض زملائه ليراجع معك بعض الأسئلة. اليس كذلك؟
- هذا صحيح
- لقد كنت أحد الثقات بالنسبة اليه, بحكم علاقتكما الدراسية وكذلك لأنه كان يعرف أنك صديق لعائلة علياء, الفتاة التي يدين لها بتوبته, لربما أشار وقتها أي اشارة لمكان اعترافاته
صمت ورفعت راسي محدقا في السقف, أيمكن هذا حقا؟؟ ولم لا؟؟ لقد تحول بالفعل الى فيلم بوليسي, اذن علي ان أتذكر جيدا هذا الحوار الذي دار بالأمس..لم يكن وحده  ولم أكن منتبها جدا في الحقيقة , يصعب علي التذكر والاصعب أن أحدد قائل كل عبارة أتذكرها 
- يمكنك أن تفكر مليا وتعتصر ذاكرتك الى ابعد حد, وعندما تتذكر أي شيء اتصل بي 
قالها وهو يناولني بطاقة تعريف جديدة ولكني هتفت:
- أجل , أجل لقد أخبرني أين يخفي اعترافاته , ياله من ماكر, من يصدق أنه يفعل ذلك

*****

لم أتمكن من حبس دموع حارة سالت على وجهي وانا  اتطلع الى انعكاس الوان الغسق على صفحة النيل عبر نافذة الاستراحة بالمستشفى, بالامس كان معي كان يضحك كما لم اره يفعل من قبل, كان جسدة اكثر انبساطا وكان يبدو أكثر اقبالا على الحياة ..أو أكثر استعدادا للموت. راجع معي الامتحان سؤالا بسؤال كعادته, من كان يصدق انه لم يكتب حرفا واحدة كإجابة لهذه الاسئلة وإنما أجاب في كراسته على اسئلة أخرى كان يعلم أنها أهم , ذكر لي اجابة مطولة عنأحد الاسئلة, قلت له مازحا :
- المطلوب رأيك فقط وليس قصة حياتك
- أنا كتبت قصة حياتي , أعلم انكم ستحتاجون اليها 
اعتبرتها مزحة وضحكت , لم أتخيل انها كانت اشارة صريحة لمكان اعترافاته, كم يدهشن أنه تمكن من ادارةالحوار ليخدم هدفه, لقد تلقى تدريبا هائلا 
اتصل الرجل الاشيب بأحد رجاله في الجامعة , تستغرق عملية نزع البطاقات عن الكراسات ووضع الارقام السرية بعض الوقت.
وقف الرجل الاشيب من خلفي وقال:
- كان خائنا وقد نال جزاء خيانته
التفت نحوه وقلت بسرعة :
- لا..شهاب لم يكن خائنا , بل العالم كله خانه من قبل, خناه بالتهاون فالتخاذل ثم الانكسار, ماذا تنتظرون من شاب نشأ في وطن محتل , يتعامل بالشيكل او الدولار, طعامه معونات انسانية, وتحدد حركاته قوانين الحصار؟؟ أنى له أن يؤمن بقضية تتلقى كل يوم صفعة هزيمة فضلا عن أن يتمسك بها. لقد نشأ في رام الله حيث حكومة صورية  تسمى سلطة وحيث حوصر الرئيس الذي لم يخلع عقاله حتى الممات, لعل صديق له مات برصاصة لهو من مستوطن سفاح, أو عزله الجدار عن باقي اهله أو مات أحد أجدادة متشبثا بآخر اشجار الزيتون وهي تقتلع من ارضه . هل تعلم سيدي ما اول ما يحتاجه الانسان بعد طعامه
وشرابه؟؟.. انها الكرامة .. ولكن شهاب كان حتى طعامه وشرابه خال من الكرامة
- كل هذا ليس مبررا للخيانة
- ولكنه اكبر سبب للتيه والضياع والمرء اذا فقد وجهته كان كالريشة  تتقاذفها طبقات الهواء وتحملها في اتجاهها الرياح الاقوى. قل لي: من الأقوي؟؟
- الحق دائما هو القوي, والقضية العادلة 
- أمثال شهاب لا يميزون الحق ولا العدل وسط كمية البهتان والظلم المحيطة بهم
- وكأنك تدافع عن كل خائن
عدت للنظر عبر النافذة وانا أقول
- الخائن لا يستحق اي دفاع , والضحية لا يستحق منا أن نصفه بالخائن
صمت الأشيب وامتصتني امواج النيل التي تنساب في هدوء وكأنها تتنزه بين الضفتين , لماذا لا تثور هذه الامواج اتراها يرضيها ما تراه عن يمين وشمال؟؟ أم انها يأست وءامنت بعجزها عن التغيير ؟؟ أم عساها تقول مثل كثير منا"هذه هي مصر" ..ولكنها لم تعد مصر وحدها..عندما تلتقين بالبحر سلي أمواجه التي جابت العالم والتقت أنهارا وبحورا شتى ورأت شعوبا وشهدت حضارات شتى..سليها وسلي نفسك كم من يائس ألقى نفسه بين الأمواج؟؟ ثم عودي فاخبريني: ماذا يتبقى للمرء ان فقد اعتزازه بنفسه؟؟  ولد كل انسان ليكون امبراطورا على درجته, ليكون آمرا مسيطرا ومجيدا ولو على نفسه, ماذا ان وجد نفسه قصيرا عن اعتلاء العرش؟عاجزا عن القبض على الصولجان , يسقط التاج حتى أنفه؟؟ سلي البحار يا امواج النيل وعندما تعرفين الجواب عودي فاسقيه لكل من يرتوي منك.
رن هاتف الرجل الأشيب فالتقطه بسرعة وجاوب محدثه ببعض العبارات المبهمة , عندما أنهى المحادثه سالته باهتمام:
- هل حصلوا على الاعترافات؟؟
- لا تتخيل أبدا أنك الاذكى او انك فكرت فيما لم يفكر فيه خصمك
- ماذا تقصد؟؟
- أحدهم يهمه ما حصلنا عليه, ثمة مطاردة على الطريق الدائري
- ولكنكم كنتم تتوقعون ولابد أنكم مستعدون..أليس كذلك؟؟
استدار وقال وهو يبتعد بخطواته الواسعة :
- الاستعداد الكامل لأي احتمال مستحيل عمليا , لا أحد يعلم الغيب
- ماذا يعني هذا الكلام؟؟
قال وهو يغادر الاستراحة دون أن يلتفت:
- عد للتأمل ولتدع ربك
رن هاتفي انا هذه المرة, أجبت محدثي بصورة آلية دون حتى أن أعرف المتصل:
- الو
- اني عائد  يا معتز, لن أكون نابليونا وسأهزم أي نابليون يسطر على تفكيري وأفعالي , أليس اليوم يوم هزيمته؟؟ سأهزمه في داخلي ولن أنهزم مثله...اني عائد, أبلغ أمي وأبي أني عائد , ساذهب للسفارة المصرية لأسلم نفسي واعود الى أحضان وطني 
وانتهى الاتصال, لقد كان أشرف.
وفي غمرة كل هذه الأحداث تهاويت على أقرب مقعد وانا أزفر زفرة عميقة, طويلة , وملتهبة

الجمعة، 8 أكتوبر 2010

علياء




أخيرا انتهت المحاضرة..قضيت أغلب زمنها في استعجال عقارب الساعة التي لا تكاد تتحرك من مكانها, ترددت عيني أكثر من الف مرة على ساعة معصمي وشاشة محمولي حتى أنني لاحظت نقوشا لم أنتبه اليها من قبل في ساعتي واكتشفت كذلك أنها تتأخر عن ساعة محمولي بأربع وعشرين ثانية. هكذا مرت مدة المحاضرة بطيئة وثقيلة , لم افهم من المحاضر أي شيء وان كنت قد سمعت كل حرف نطق ولكن سدّا ما كان يفصل بين أذني وعقلي,سد لم أفكر  -مجرد تفكير-  في محاولة تحطيمه. يتكرر هذا كل يوم وفي كل محاضرة , صرت أستثقل الحضور ولكني ظللت ملتزمة مع ذلك , آتي في الصباح لأني لا أجد أي متعة في بقائي بالبيت, ورغم أن كثيرا من زميلاتي وزملائي يهملون الحضور ويأتون كل يوم للجلوس حول الحديقة أو داخل الكافيتيريات الا أنني لا أحب الجلوس معهم , فالفتيات متكلفات والأولاد يتجاوزون حدودهم في المزاح, في آخر مرة كنت معهم ناداني احدهم بـ"لولو" كما تناديني احدى صدبقاتي, فما كان مني الا أن وبخته بحدة ثم تركت الكافيتريا كلها ومن يومها لم أعد لمجالسة اي منهم.
لم أكسب الكثير من الأصدقاء بل لم اكسب أيا من الأصدقاء منذ دخلت الجامعة حتى اصدقائي القدامى بدأت علاقتي بهم تتراجع, بدأت اشعر أن ذهني مشوش ومكتظ عن آخره , صرت أنسى مواعيد حددتها ووعود قطعتها وكثيرا ما كنت أجد نفسي متورطة بأكثر من التزام في وقت واحد, صرت انسى حتى القاء التحية وبدأت أفقد لباقتي بشكل ملحوظ, فتشت في داخلي عن السبب وعن ما يشغل تفكيري ويشوش عقلي ولكني لم أجد أي جواب.
انتهت المحاضرة وخرجت من المدرج وحيدة كما دخلته وحيدة, صحبتي لم تعد ممتعة تساءلت كثير من صديقاتي عن سبب شرودي وصمتي وعباراتي المقتضبة التي تتبعثر كلماتها ان طالت فتصبح عديمة المعنى و ومرة أخرى لم أجد جوابا. 
الوقت مبكر على العودة من المنزل, ولكن ماذا يمكنني أن أفعل؟؟ سأعود للبيت..لا سأنتظر قليلا..جلست على درجات سلم جانبي لا يستخدمه الطلبة للصعود أو النزول وقد غرقت في تفكيري الذي لم يعد حيرة بعد خيارين وانما تيه عبر درب دائري تسلمني احدى نهايتيه للاخرى 
- آنسة علياء!!..لماذا تجلسين هكذا؟؟
انتبهت الى صوت د/معتز الذي كان واقفا أمامي مباشرة فنهضتّ مسرعة وأنا انفض الغبار عن تنورتي وحاولت رسم ابتسامة على شفتي وانا أقول:
- مرحبا د/معتز....
لم أجد كلاما اكمل به عبارتي وشعرت بجفاف في حلقي و تلعثم لساني وتوقف عن النطق فقال مبديا قلقه:
- ما الأمر؟؟ هل أنت مريضة؟؟ هل اوصلك بسيارتي؟؟
- لا يا دكتور أنا بخير, اعني شكرا لك
- كيف حال اشرف؟؟
- أشرف؟,..انه بخير
- هل اتصل بكم مؤخرا ؟؟لم يتصل بي منذ مدة
- لا لم يتصل منذ مدة فعلا,..لا بل اتصل منذ يومين ..أجل لقد اتصل الثلاثاء الماضي
- ولكن اليوم يوم الأربعاء..هذا يعني أنه اتصل بالامس
- أجل ..بالامس فعلا
وضحكت مرتبكة واستطردت:
- الزهايمر معلش يا دكتور 
نظر الي نظرة متفحصة وقال:
- هل تمانعين ان نتحدث قليلا ؟؟
- لا مطلقا , تفضل
- لا ليس هنا..تعالي الى كافيتيريا أعضاء هيئة التدريس
هناك جلسنا متقابلين وطلب من دون ان يسألني كوبين من عصير الليمون
- صحيح أن الفترة التي عمل فيها أشرف معي لم تكن طويلة لكننا خلالها صرنا أكثر من صديقين, أنا أعتبره اخا 
كنت قد ارتبكت بالفعل ولم أكن أفهم ما يريد أن يحدثني بشانه وانشغل عقلي اكثر بمحاولات التكهن, كنت قد استمعت الى نصيحة أشرف ولجأت الى د/معتز ليساعدني في انهاء اجراءات الالتحاق , فلما ذهبت اليه رحب بي كثيرا و أخذ مني أوراقي و أنهى كل شيء بنفسه , كان يقول لي أن اشرف قد اوصاه بي قبل عودته. كنا نتبادل التحيات اذا التقينا عبر ممر او ردهة ولكنها كانت دوما سريعة وعابرة ولم ترتق أبدا الى حديث مطول او جلسة كهذه
- لقد حكى لي أشرف عنك كثيرا فكونت عنك صورة لم تخطئ صورتك الحقيقية, عندما التقيتك أول مرة كنت ممتلئة بالحماس والحيوية , كنت أرى في عينيك الفرحة بما أنت مقبلة عليه والنهم الى اكتشاف العالم الجديد والغوص في أعماقه وجمع كل لؤلؤة فيه, أخبرني أشرف أنك اخترت الكلية رغم أن مجموعك يؤهلك لكليات افضل بكثير ولكنك تحبين اللغة الفرنسية وتحبين الأدب 
-هذا صحيح
- ولكني الآن أرى شيئا مختلفا تماما 
ضحكت مرة اخرى في ارتباك وانا اقول:
- ماذا تعني يا دكتور؟؟أنا كما أنا لم اتغير..ربما نقص وزني قليلا فقط 
- بل تغيرت كثيرا جدا, منذ مدة ألحظ ثقل خطواتك وانحناء رقبتك كمن يثقله هم كبير والآن ارى في عينيك نظرات غواص فقد اتجاهاته وضل عن طريق المحار
- لا أظنني أفهم شيئا من كل هذه البلاغة
- بماذا حلمت ان تكوني يوما؟؟
صمت مطولا هذه المرة ثم قلت:
- لا ادري,..في كل مرحلة من مراحل حياتي كنت أحلم أن أصل الى المرحلة التالية وحسب
- وما المرحلة التالية الآن في نظرك؟
- تقول امي أنها الزواج ولكني  لا ارى هذا واشعر أن ثمة مرحلة مفقودة
- هلا بحثتي عنها اذن!!
- لا ادري كيف
- اذن ستقضين هذه المرحلة بلا حلم 
- لا أجد ما احلم به , وربما كانت امي على حق
- اذن فهل تحلمين بزوج المستقبل, بأسرتك المستقبلية؟؟
- هل لديك عريس مناسب؟؟
اتبعت عبارتي بضحكة قصيرة محاولا الهروب من الموضوع برمته فتجاوب مع ضحكتي وقال:
- بل حلم مناسب
- ماذا تقصد؟؟
-اقصد انك لم تحلمي من قبل قط وانما كانت تُملى عليك أحلامك, ففي كل مرحلة كانت تُغذى فيك أهمية الوصول الى المرحلة التالية وهكذا كنت تحلمين بها , حتى اختيارك للكلية كان بسبب تعلقك بأشرف , حبك له غذى طموحك لسلوك نفس دربه وعندما حققت ما تخيلت أنه حلمك لم تجدي دافعا جديدا نحو هدف جديد ووجدت نفسك فجأة تائهة لا تقدرين على تحديد اتجاهاتك
كم بدا كلامه صادقا ومعبرا بالفعل عما اشعر به , لزمت الصمت وانا أنظر اليه بعينين جامدتين وهو يقول:
- ولكن الانسان لا يمكنه العيش بدون حلم..بدون هدف ..وان فعل سيظل عقله يفكر, يبحث, يفتش عن هدف ما , ستنفصل روحه محلقة في عوالم سرمدية تبحث عن الالهام الذي لا حياة لها بدونه ولكن كلاهما لن ينجح.. 
ثم مال نحوى وقال بلهجة قاطعة :
- ..لأننا نصنع احلامنا ولا نجدها
حافظت على صمتي وقال هو بعد ثانية نظر خلالها الى عيني مباشرة وكأنما يقرأ ما فيهما:
- ربما لم تتعلمي يوما ان تحلمي بحق, بل لقد نعلمت منذ صغرك كيف تتحطم الأحلام, ولكنك لا تزالين قادرة على الحلم 
وصل عصير الليمون في تلك اللحظة , صمت معتز حتى انصرف النادل ثم قال:
- أوجدي لنفسك حلما , قدريه واحبيه وأحبي من قبله نفسك , استعيدي روحك من غياهبها وأخبري عقلك بقرارك,..بمعنى آخر استعيدي نفسك يا علياء


*****


مضت اسابيع منذ حديثي مع د/معتز, أثرت في كلماته كثيرا وسهرت الليالي أحاول أن أبتكر لي حلما يهدئ ثورة عقلي و يرشد روحي التائهة , تعب عقلي اكثر وازداد شرودي وصمتي ووحدتي وزاد عليه أن صرت شديدة العصبية بسبب فشلي المتكرر, وقتها تعرفت الى شهاب, كان يكبرني بعامين دراسيين وثلاثة اعوام من العمر , فلسطيني من رام الله, مهذب ولبق يتقن اللهجة المصرية ويعتز بلهجته الاصلية, أعجبت بشخصيته وبوسامته كذلك وسريعا صرت اقضي معظم اوقاتي معه ومع رفاقه ولم أعد التزم بحضور المحاضرات. 
انشغلت عن محاولاتي لأجد حلما ولم اعد أتذكر كلام د/معتز , غمرني احساس بصفاء الذهن والنفس معا, وبرغم اني لم أفكر بجدية في الارتباط بشهاب, وهو ايضا لم يلمح اي تلميح الى هذا ولكن انجذابي اليه جعلني أميل الى تصديق أمي في ان المرحلة التالية هي مرحلة الزواج. 
ذات يوم عدت من الكلية بمزاج رائق دون ان أحضر محاضرة واحدة وانما قضيت اليوم كله مع شهاب نتنقل بين الكافيتريات والحدائق وندور حول سور الجامعة . كان الجناح الشرقي مفتوحا وكانت تفوح رائحة أصناف لا تعد الا في المناسبات وسمعت لدى دخولي صوت ابي يتحدث الى أحدهم داخل مكتبه. القيت التحية على امي فطلبت مني ان أبدل ملابسي وآتي لمساعدتها فلم امانع
قلت وأنا أقطع الطماطم استعدادا لعصرها
- لمن كل هذه الوليمة؟؟
- انه احد اصدقاء والدك القدامى ومن بلدنا , لم يزرنا منذ عشر سنين
- وما الذي ذكره بنا الآن؟؟
ضحكت ضحكة ذات معنى وقالت:
- لقد تخرج ابنه العام الماضي من كلية الطيران
- وما شأننا؟؟
لكزتني في خاصري وقالت:
- تظاهري بالبراءة أكثر,..احقا لا تفهمين؟؟
- آااااااااااه تقصدين أن....
- أجل أقصد أن.....
خفضت راسي في حياء مصطنع وتمتمت بصوت مسموع :
- (طيب)
ثم استطردت بعد ثانية:
- هل هو معه؟؟
قرصتني في اذني هذه المرة فتأوهت ضاحكة وقالت أمي:
- (سوسة ,..انت سوسة) لا ليس معه
انتهينا سريعا من اعداد الغداء, وتولت أمي ونجيب ترتيب المائدة بينما امرتني بابدال ملابسي والتزين قبل لقاء حميي المستقبلي, تناولنا الغداء جميعا وعدت الى غرفتي يغمرني احساس حالم لا أعرف ماهيته ولم اشعر به من قبل
في اليوم التالي حكيت لاحدى صديقاتي عن تلك الزيارة فسألتني:
- وماذا عن شهاب؟؟
شهاب!!! وما لشهاب بالأمر؟؟هل يظنوننا عاشقين؟؟ قلت لها:
- شهاب مجرد صديق
- مجرد صديق؟؟انكما تقريبا لا تتفارقان والجامعة كلها تتحدث عنكما
صعقت لقولها ولم أجد ما اقوله, قالت هي :
- شهاب يحبك لم يعامل أي فتاة من قبل كما يتعامل معك, احسمي قرارك اما أن تكوني تحبينه أو لا تظلميه معك اكثر من هذا 
كان كلامها قاطعا , ولمرة أخرى أجد نفسى تائهة عن اتجاهاتي وأعود لأتذكر كلام د/معتز
من يومها لم يعد أي شيء كما كان أو كما كان ينبغي له أن يكون, لميكرر صديق أبي القديم زيارته في حين بداأبي يهتم بسؤالي عن الجامعة وعن أصدقائي ويحرص على معرفة جدولي ومواعيدي ويسألني عن سبب تأخري وعن من كان يتحدث الي في المحمول, وكثيرا ما لاحظت اثار تفتيش في غرفتي ولكني لم أجرؤ على الاعتراض.
شهاب ايضا صار يغيب لأيام عديدة ثم يعود ليظهر متعللا بحجج لا تقنعني , صار قليل الكلام كثير الالتفات من حوله وكأنه يشعر أن أحدهم يراقبه أو يخشى ذلك, وكم من مرة قاطع حديثي ليستأذن منصرفا فلا أعود لرؤيته الا بعد أيام أو ربما اسابيع , كان يغلق محموله في فترات غيابه فلا أستطيع الوصول اليه ووقتها أدركت بالفعل أنني أحبه. ولكني لم أعد لصفاء نفسي ,لأن كل شيء من حولي لم يعد صافيا.
حتى نجيب الصغير تبدلت أحوله, صار أقل ارتباطا بالبيت وأكثر تعلقا بأصدقائه, يقضي أغلب وقته معهم سواء في التنزه أو المذاكرة في بيت أحدهم . تراجع مستواه الدراسي بشكل ملحوظ وبدأ أبي يشك في انه يذهب بالفعل للمذاكرة فحرم عليه الخروج من البيت, حاولت التحدث اليه ولكني لمست فيه عنفا لم أعتده منه وسمعته يكرر بعض كلمات ابي عن سوء المنظومة التعليمية ليبرر تدني مستواه. كان عنيدا جدا وكنت مشوشة جدا فلم يدم حوارنا لاكثر من خمس دقائق
ازداد تيهي وضياعي بين الاتجاهات , تساءلت الف سؤال ولم اجد اجابة واحدة . وهذه المرة أنا من طلبت أن أتحدث الى د/معتز