أخيرا انتهت المحاضرة..قضيت أغلب زمنها في استعجال عقارب الساعة التي لا تكاد تتحرك من مكانها, ترددت عيني أكثر من الف مرة على ساعة معصمي وشاشة محمولي حتى أنني لاحظت نقوشا لم أنتبه اليها من قبل في ساعتي واكتشفت كذلك أنها تتأخر عن ساعة محمولي بأربع وعشرين ثانية. هكذا مرت مدة المحاضرة بطيئة وثقيلة , لم افهم من المحاضر أي شيء وان كنت قد سمعت كل حرف نطق ولكن سدّا ما كان يفصل بين أذني وعقلي,سد لم أفكر -مجرد تفكير- في محاولة تحطيمه. يتكرر هذا كل يوم وفي كل محاضرة , صرت أستثقل الحضور ولكني ظللت ملتزمة مع ذلك , آتي في الصباح لأني لا أجد أي متعة في بقائي بالبيت, ورغم أن كثيرا من زميلاتي وزملائي يهملون الحضور ويأتون كل يوم للجلوس حول الحديقة أو داخل الكافيتيريات الا أنني لا أحب الجلوس معهم , فالفتيات متكلفات والأولاد يتجاوزون حدودهم في المزاح, في آخر مرة كنت معهم ناداني احدهم بـ"لولو" كما تناديني احدى صدبقاتي, فما كان مني الا أن وبخته بحدة ثم تركت الكافيتريا كلها ومن يومها لم أعد لمجالسة اي منهم.
لم أكسب الكثير من الأصدقاء بل لم اكسب أيا من الأصدقاء منذ دخلت الجامعة حتى اصدقائي القدامى بدأت علاقتي بهم تتراجع, بدأت اشعر أن ذهني مشوش ومكتظ عن آخره , صرت أنسى مواعيد حددتها ووعود قطعتها وكثيرا ما كنت أجد نفسي متورطة بأكثر من التزام في وقت واحد, صرت انسى حتى القاء التحية وبدأت أفقد لباقتي بشكل ملحوظ, فتشت في داخلي عن السبب وعن ما يشغل تفكيري ويشوش عقلي ولكني لم أجد أي جواب.
انتهت المحاضرة وخرجت من المدرج وحيدة كما دخلته وحيدة, صحبتي لم تعد ممتعة تساءلت كثير من صديقاتي عن سبب شرودي وصمتي وعباراتي المقتضبة التي تتبعثر كلماتها ان طالت فتصبح عديمة المعنى و ومرة أخرى لم أجد جوابا.
الوقت مبكر على العودة من المنزل, ولكن ماذا يمكنني أن أفعل؟؟ سأعود للبيت..لا سأنتظر قليلا..جلست على درجات سلم جانبي لا يستخدمه الطلبة للصعود أو النزول وقد غرقت في تفكيري الذي لم يعد حيرة بعد خيارين وانما تيه عبر درب دائري تسلمني احدى نهايتيه للاخرى
- آنسة علياء!!..لماذا تجلسين هكذا؟؟
انتبهت الى صوت د/معتز الذي كان واقفا أمامي مباشرة فنهضتّ مسرعة وأنا انفض الغبار عن تنورتي وحاولت رسم ابتسامة على شفتي وانا أقول:
- مرحبا د/معتز....
لم أجد كلاما اكمل به عبارتي وشعرت بجفاف في حلقي و تلعثم لساني وتوقف عن النطق فقال مبديا قلقه:
- ما الأمر؟؟ هل أنت مريضة؟؟ هل اوصلك بسيارتي؟؟
- لا يا دكتور أنا بخير, اعني شكرا لك
- كيف حال اشرف؟؟
- أشرف؟,..انه بخير
- هل اتصل بكم مؤخرا ؟؟لم يتصل بي منذ مدة
- لا لم يتصل منذ مدة فعلا,..لا بل اتصل منذ يومين ..أجل لقد اتصل الثلاثاء الماضي
- ولكن اليوم يوم الأربعاء..هذا يعني أنه اتصل بالامس
- أجل ..بالامس فعلا
وضحكت مرتبكة واستطردت:
- الزهايمر معلش يا دكتور
نظر الي نظرة متفحصة وقال:
- هل تمانعين ان نتحدث قليلا ؟؟
- لا مطلقا , تفضل
- لا ليس هنا..تعالي الى كافيتيريا أعضاء هيئة التدريس
هناك جلسنا متقابلين وطلب من دون ان يسألني كوبين من عصير الليمون
- صحيح أن الفترة التي عمل فيها أشرف معي لم تكن طويلة لكننا خلالها صرنا أكثر من صديقين, أنا أعتبره اخا
كنت قد ارتبكت بالفعل ولم أكن أفهم ما يريد أن يحدثني بشانه وانشغل عقلي اكثر بمحاولات التكهن, كنت قد استمعت الى نصيحة أشرف ولجأت الى د/معتز ليساعدني في انهاء اجراءات الالتحاق , فلما ذهبت اليه رحب بي كثيرا و أخذ مني أوراقي و أنهى كل شيء بنفسه , كان يقول لي أن اشرف قد اوصاه بي قبل عودته. كنا نتبادل التحيات اذا التقينا عبر ممر او ردهة ولكنها كانت دوما سريعة وعابرة ولم ترتق أبدا الى حديث مطول او جلسة كهذه
- لقد حكى لي أشرف عنك كثيرا فكونت عنك صورة لم تخطئ صورتك الحقيقية, عندما التقيتك أول مرة كنت ممتلئة بالحماس والحيوية , كنت أرى في عينيك الفرحة بما أنت مقبلة عليه والنهم الى اكتشاف العالم الجديد والغوص في أعماقه وجمع كل لؤلؤة فيه, أخبرني أشرف أنك اخترت الكلية رغم أن مجموعك يؤهلك لكليات افضل بكثير ولكنك تحبين اللغة الفرنسية وتحبين الأدب
-هذا صحيح
- ولكني الآن أرى شيئا مختلفا تماما
ضحكت مرة اخرى في ارتباك وانا اقول:
- ماذا تعني يا دكتور؟؟أنا كما أنا لم اتغير..ربما نقص وزني قليلا فقط
- بل تغيرت كثيرا جدا, منذ مدة ألحظ ثقل خطواتك وانحناء رقبتك كمن يثقله هم كبير والآن ارى في عينيك نظرات غواص فقد اتجاهاته وضل عن طريق المحار
- لا أظنني أفهم شيئا من كل هذه البلاغة
- بماذا حلمت ان تكوني يوما؟؟
صمت مطولا هذه المرة ثم قلت:
- لا ادري,..في كل مرحلة من مراحل حياتي كنت أحلم أن أصل الى المرحلة التالية وحسب
- وما المرحلة التالية الآن في نظرك؟
- تقول امي أنها الزواج ولكني لا ارى هذا واشعر أن ثمة مرحلة مفقودة
- هلا بحثتي عنها اذن!!
- لا ادري كيف
- اذن ستقضين هذه المرحلة بلا حلم
- لا أجد ما احلم به , وربما كانت امي على حق
- اذن فهل تحلمين بزوج المستقبل, بأسرتك المستقبلية؟؟
- هل لديك عريس مناسب؟؟
اتبعت عبارتي بضحكة قصيرة محاولا الهروب من الموضوع برمته فتجاوب مع ضحكتي وقال:
- بل حلم مناسب
- ماذا تقصد؟؟
-اقصد انك لم تحلمي من قبل قط وانما كانت تُملى عليك أحلامك, ففي كل مرحلة كانت تُغذى فيك أهمية الوصول الى المرحلة التالية وهكذا كنت تحلمين بها , حتى اختيارك للكلية كان بسبب تعلقك بأشرف , حبك له غذى طموحك لسلوك نفس دربه وعندما حققت ما تخيلت أنه حلمك لم تجدي دافعا جديدا نحو هدف جديد ووجدت نفسك فجأة تائهة لا تقدرين على تحديد اتجاهاتك
كم بدا كلامه صادقا ومعبرا بالفعل عما اشعر به , لزمت الصمت وانا أنظر اليه بعينين جامدتين وهو يقول:
- ولكن الانسان لا يمكنه العيش بدون حلم..بدون هدف ..وان فعل سيظل عقله يفكر, يبحث, يفتش عن هدف ما , ستنفصل روحه محلقة في عوالم سرمدية تبحث عن الالهام الذي لا حياة لها بدونه ولكن كلاهما لن ينجح..
ثم مال نحوى وقال بلهجة قاطعة :
- ..لأننا نصنع احلامنا ولا نجدها
حافظت على صمتي وقال هو بعد ثانية نظر خلالها الى عيني مباشرة وكأنما يقرأ ما فيهما:
- ربما لم تتعلمي يوما ان تحلمي بحق, بل لقد نعلمت منذ صغرك كيف تتحطم الأحلام, ولكنك لا تزالين قادرة على الحلم
وصل عصير الليمون في تلك اللحظة , صمت معتز حتى انصرف النادل ثم قال:
- أوجدي لنفسك حلما , قدريه واحبيه وأحبي من قبله نفسك , استعيدي روحك من غياهبها وأخبري عقلك بقرارك,..بمعنى آخر استعيدي نفسك يا علياء
*****
مضت اسابيع منذ حديثي مع د/معتز, أثرت في كلماته كثيرا وسهرت الليالي أحاول أن أبتكر لي حلما يهدئ ثورة عقلي و يرشد روحي التائهة , تعب عقلي اكثر وازداد شرودي وصمتي ووحدتي وزاد عليه أن صرت شديدة العصبية بسبب فشلي المتكرر, وقتها تعرفت الى شهاب, كان يكبرني بعامين دراسيين وثلاثة اعوام من العمر , فلسطيني من رام الله, مهذب ولبق يتقن اللهجة المصرية ويعتز بلهجته الاصلية, أعجبت بشخصيته وبوسامته كذلك وسريعا صرت اقضي معظم اوقاتي معه ومع رفاقه ولم أعد التزم بحضور المحاضرات.
انشغلت عن محاولاتي لأجد حلما ولم اعد أتذكر كلام د/معتز , غمرني احساس بصفاء الذهن والنفس معا, وبرغم اني لم أفكر بجدية في الارتباط بشهاب, وهو ايضا لم يلمح اي تلميح الى هذا ولكن انجذابي اليه جعلني أميل الى تصديق أمي في ان المرحلة التالية هي مرحلة الزواج.
ذات يوم عدت من الكلية بمزاج رائق دون ان أحضر محاضرة واحدة وانما قضيت اليوم كله مع شهاب نتنقل بين الكافيتريات والحدائق وندور حول سور الجامعة . كان الجناح الشرقي مفتوحا وكانت تفوح رائحة أصناف لا تعد الا في المناسبات وسمعت لدى دخولي صوت ابي يتحدث الى أحدهم داخل مكتبه. القيت التحية على امي فطلبت مني ان أبدل ملابسي وآتي لمساعدتها فلم امانع
قلت وأنا أقطع الطماطم استعدادا لعصرها
- لمن كل هذه الوليمة؟؟
- انه احد اصدقاء والدك القدامى ومن بلدنا , لم يزرنا منذ عشر سنين
- وما الذي ذكره بنا الآن؟؟
ضحكت ضحكة ذات معنى وقالت:
- لقد تخرج ابنه العام الماضي من كلية الطيران
- وما شأننا؟؟
لكزتني في خاصري وقالت:
- تظاهري بالبراءة أكثر,..احقا لا تفهمين؟؟
- آااااااااااه تقصدين أن....
- أجل أقصد أن.....
خفضت راسي في حياء مصطنع وتمتمت بصوت مسموع :
- (طيب)
ثم استطردت بعد ثانية:
- هل هو معه؟؟
قرصتني في اذني هذه المرة فتأوهت ضاحكة وقالت أمي:
- (سوسة ,..انت سوسة) لا ليس معه
انتهينا سريعا من اعداد الغداء, وتولت أمي ونجيب ترتيب المائدة بينما امرتني بابدال ملابسي والتزين قبل لقاء حميي المستقبلي, تناولنا الغداء جميعا وعدت الى غرفتي يغمرني احساس حالم لا أعرف ماهيته ولم اشعر به من قبل
في اليوم التالي حكيت لاحدى صديقاتي عن تلك الزيارة فسألتني:
- وماذا عن شهاب؟؟
شهاب!!! وما لشهاب بالأمر؟؟هل يظنوننا عاشقين؟؟ قلت لها:
- شهاب مجرد صديق
- مجرد صديق؟؟انكما تقريبا لا تتفارقان والجامعة كلها تتحدث عنكما
صعقت لقولها ولم أجد ما اقوله, قالت هي :
- شهاب يحبك لم يعامل أي فتاة من قبل كما يتعامل معك, احسمي قرارك اما أن تكوني تحبينه أو لا تظلميه معك اكثر من هذا
كان كلامها قاطعا , ولمرة أخرى أجد نفسى تائهة عن اتجاهاتي وأعود لأتذكر كلام د/معتز
من يومها لم يعد أي شيء كما كان أو كما كان ينبغي له أن يكون, لميكرر صديق أبي القديم زيارته في حين بداأبي يهتم بسؤالي عن الجامعة وعن أصدقائي ويحرص على معرفة جدولي ومواعيدي ويسألني عن سبب تأخري وعن من كان يتحدث الي في المحمول, وكثيرا ما لاحظت اثار تفتيش في غرفتي ولكني لم أجرؤ على الاعتراض.
شهاب ايضا صار يغيب لأيام عديدة ثم يعود ليظهر متعللا بحجج لا تقنعني , صار قليل الكلام كثير الالتفات من حوله وكأنه يشعر أن أحدهم يراقبه أو يخشى ذلك, وكم من مرة قاطع حديثي ليستأذن منصرفا فلا أعود لرؤيته الا بعد أيام أو ربما اسابيع , كان يغلق محموله في فترات غيابه فلا أستطيع الوصول اليه ووقتها أدركت بالفعل أنني أحبه. ولكني لم أعد لصفاء نفسي ,لأن كل شيء من حولي لم يعد صافيا.
حتى نجيب الصغير تبدلت أحوله, صار أقل ارتباطا بالبيت وأكثر تعلقا بأصدقائه, يقضي أغلب وقته معهم سواء في التنزه أو المذاكرة في بيت أحدهم . تراجع مستواه الدراسي بشكل ملحوظ وبدأ أبي يشك في انه يذهب بالفعل للمذاكرة فحرم عليه الخروج من البيت, حاولت التحدث اليه ولكني لمست فيه عنفا لم أعتده منه وسمعته يكرر بعض كلمات ابي عن سوء المنظومة التعليمية ليبرر تدني مستواه. كان عنيدا جدا وكنت مشوشة جدا فلم يدم حوارنا لاكثر من خمس دقائق
ازداد تيهي وضياعي بين الاتجاهات , تساءلت الف سؤال ولم اجد اجابة واحدة . وهذه المرة أنا من طلبت أن أتحدث الى د/معتز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق