كيف تطورت الأحداث بهذه السرعة؟؟ وكيف انزلقت الى هذا المنحدر المفضي الى الهاوية؟؟ اذكر يوم جاءتني تطلب التحدث الي وكانه كان أمس. كان
الشتاء يلملم أذياله في منتصف شهر مارس ولكن السماء كانت تمطر بغزارة. كنت أتوقع أن تأتيني أو بالأحرى أنتظر ذلك منذ مدة طويلة, منذ علمت بعلاقتها بشهاب, وقتها راودني قلق عميق بشأنها. ليس لاعتراضي على شهاب بشخصه , بالعكس فشهاب - الذي ادرس لفرقته في جلسات الترجمة العملية- مشهود له بحسن الخلق والاستقامة وأنا نفسي احترمه وان كنت متأكدا من أنه يخفي سرا هائلا, ولكني كنت مدركا تماما أن علياء غير مؤهلة لخوض تلك التجربة في ذلك الوقت. لم أذهب اليها فأنصحها كنت أعلم أنها هي من ستأتيني ووقتها ستكون أكثر استعدادا لتقبل النصائح من أي وقت آخر.
كنت أتابعها من بعيد , أدركت أنها توقفت سريعا عن محاولات ايجاد حلم, وأن الانتشاء الروحاني الذي تسبب فيه اعجابها بشهاب جعلها تميل الى تصديق كلام أمها. أؤمن أن الحب هو انفس وأثمن ما يمكن أن يحصل عليه انسان في هذه الدنيا , ولكني لا اراه يصلح كهدف في حد ذاته.الحب كمظلة تقينا قيظ نوازل الدنيا أو قارب يحملنا فوق أمواج الحياة المتلاطمة , ثم ماذا لو فرضنا -جدلا- أن الحب في ذاته هدفا فمن ذا الذي قال أن للانسان هدفا نهائيا, ان الوصول للهدف يحدد الهدف التالي وتحقيق الحلم يلهم الحلم الذي يليه. حتى الفشل يلهمنا عزما جديدا. هذا ان تعلمنا كيف نحلم, ان تاكدنا أننا قادرون على تحقيق أحلامنا وآمنا اننا نستحق أن نحلم وأن نحقق احلامنا.
لماذا لا نقدر انفسنا؟؟لماذا لا نحبها بل ان بعضنا يكرهها دون أن يدري؟؟ لماذا نعاند فطرتنا؟؟ جبل الانسان على حب نفسه وحب عشيرته وقومه , وجاءت الشرائع السماوية والمذاهب الفلسفية لتروض هذه الفطرة فلا يتحول الى تعصب أعمى أو جبروت مستبد بل توجهه الى طموح يرضي غروره ويدفعه نحو بناء حياة افضل لقومه, وهكذا تدور عجلة الحياة نحو التطور المستمر .
ولكننا فقدنا دفة التوجيه, فقدناها رغما عنا أو تخلينا عنها بارادتنا , أيا ما كان الا أننا لا يمكن أن نتخلى عن فطرتنا , أفلتت منا ككلب صيد اصابه السعار والجنون معا؛ يهاجم دونما تمييز فلما أفلتت فريسته راى نفسه هرا ضعيفا فراح يهاجم الجرذان والأفراخ, لاتزال فيه فطرة الصيد ولكنه ما عاد يمشي شامخا بارز العضلات بل منكمشا مقوس الظهر كقط سقط لتوه من عل. واذا ذكره أحدهم بماضي امجاده في اصطياد الثيران ظل هو يذكر غزلانا افلتت من بين براثنه.
لماذا ينصب النصاب ويسرق السارق ويرتشي المرتشي ويتجبر الجبار؟؟ لماذا يستبد الحاكم وتنقلب الأنظمة وتندلع الحروب؟؟ لماذا يحطم الجماهير الملاعب بعد مباراة خاسرة؟؟ لماذا لا تتوجه كل هذه الطاقات الهائلة للتنمية؟؟ ليست مشكلتنا وحدنا بل هي مشكلة العالم بأسره, العالم كله نابليون, يرى اسوا صفاته ويغفل عن عظمة خلقه, وسوء الصفات دائما يوحي بسوء التصرف.
جاءت لتحكي, كان واضحا أنها لا ترغب في أكثر من الحكي و لم اكن أعرف بأمر صديق والدها القديم فلما روته تأكدت من أنها تعيش حبا زائفا , ولكني تركتها تكمل حكايتها .
انتقلت من نفسها الى أخيها ثم أبيها وأمها , اشفقت عليها من بيت ممتلئ بالاحباط , من هواء مفعم بالرسائل السلبية التي يرسلها الأب بعباراته الناقمة والام بتصرفاتها اللا مبالية وفلسفتها الساذجة للحياة. أي مقبر للأحلام افضل من هذه. في بيت كهذا تجهض الأحلام قبل أن تولد, لا عجب أن يسافر الابن الأكبر بلا هدى , وتتوه الابنة في فوضى الجهل بالحياة الحقيقية ويتسلم الابن الاصغر طريق الاحباط مبكرا.
كم من بيت مثل هذا فيك يا وطني؟؟
أما آن لنا أن نقتل نابليون الذي يتلبسنا جميعا؟!!
عندما انتهت من حكايتها اعتذرت عن تعطيلي وازعاجي ورحلت مسرعة دون ان تنتظر مني تعليقا. يومها كتبت خطابا الى اشرف, لا أدري متى قد يتصل بي كما أن الاتصالات الدولية لا تسمح باطالة الحديث. أرسلته الى عنوان المطعم , أنا الوحيد في مصر الذي أخبره اشرف بعمله الحقيقي وبرغم اسفي لما أخبرني إلا أن ثقته تلك جعلتني أتأكد أن كلامي لا يزال في عقله يجوس خلاله وأنه قريبا سيفتح أمنع حصون تفكيره فيقتل نابليون القابع داخله.
متى كان هذا ؟؟
منذ ثلاثة اشهر تقريبا , اذكر بعدها بيومين لاحظت تحركات أمنية ما بين الطلاب وكان شهاب مركزها, لم تكن تحركات عادية كالتي تتم بشكل روتيني للمراقبة أو التضييق أو حتى اعتقال بعض الكوادر السياسيين من الطلبة, كانت مختلفة الى حد بعيد ومنظمة الى حد أبعد وخفية للغاية الا أنني .لاحظتها بالكاد لاني من هواة التأمل ومتابعة أحوال تلاميذي لم تنقطع هذه التحركات على مدة الشهور الثلاثة حتى كان هذا اليوم المشئوم, كانت امتحانات نهاية العام قد بدأت وبدأت أنا اضع اللمسات الأخيرة على رسالتي استعدادا لمناقشتها التي اقتربت جدا , كنت امر بالصدفة ولم أنتبه الى أن علياء وشهاب يقفان على بعد مترين مني عندما صاح شهاب بأعلى صوته:
- لا ..لن تستمر هذه المهزلة..لن أحتمل هذه الحياة القذرة
توقف كل المارين او أغلبهم وساد الساحة صمت مهيب واستدار شهاب ورفع ذراعيه عاليا وصرخ مناديا :
- أين أنتم يا رجال الشرطة؟؟ , اين أنتم يا رجال المخابرات؟؟..تعالوا والقوا القبض على هذا الجا...
ولم يتم عبارته..ولن يتمها ابدا..
فقد تفجرت راسه في ثانيه مطلقة وابلا من الدماء والاشلاء وصرخت علياءالدماء تغرق وجهها وملابسها قبل ان تسقط فاقدة الوعي.
والآن ترقد ممدة في غرفة للرعاية المركزة تتلقى العلاج من انهيار عصبي حاد
هذا اليوم اذكره بالتحديد, انه يوم هزيمة الامبراطور..18يونيو
*****
حاولت الذهاب مع علياء عندما حملتها سيارة الاسعاف, ولكن أحد رجال الشرطة -الذين ملئوا ساحة الكلية في ثانية- منعني. ساحة الكلية محاطة بمبانيها من الجهات الأربع وهذا يعني استحالة ان تكون الطلقة الغادرة قد أطلقت من خارج الجامعة أو من خارج النطاق الكلية تحديدا. حوصرت الكلية بسياج من عربات ورجال الامن المركزي ولم يسمح بخروج أحد قبل تفتيش وتحقيق دقيقين . لم يستثن أحد, لا العمال ولا الطلبة ولا حتى الأساتذة , حتى العميد نفسه تم نفتيش مكتبه وتفتيشه ذاتيا قبل ان يخضع لتحقيق لا يقل دقة.
كنت من أوائل من حقق معهم , كانت الصدمة لاتزال مسيطرة علي, مجرد اعادة تذكر المشهد كانت تصيبني بالدوار والغثيان , ومع ذلك استمر التحقيق لمدة ساعتين, وقبل ان أغادر طلب مني الظابط وهو يسلمني بطاقة تعريفه أن أعاود الاتصال به ان أنا تذكرت شيئا أو علمت شيئا. اكدت له أني سأفعل وودعته وانصرفت.
عندما لحقت بعلياء في المستشفى كانت ترقد وسط الأسلاك والاجهزة ذات الأزيز المتقطع خلف حاجز زجاجي وقفت أمها مستندة اليه تنتحب بشدة والى جوارها نجيب يذرف دموعا صامتة , أما الاب فقد كان ساخطا وغاضبا كما عرفت أنها عادته
- اغتيال داخل الحرم الجامعي!! أي انتهاك لسيادة البلاد !!
كان غاضبا بشدة حتى ان عبارته جاءت عالية الى حد ما فوجدت أحدهم في ثياب مدنية يتقدم نجوه ويقول له بصوت خفيض,:
- سيدي , نحن نقدر شعورك ولكن يجب أن تعلم أن هذه القضية تدخل ضمن نطاق السرية المطلقة
اومأ له الأب برأسه بعصبية وهو يشيح بوجهه عنه فانصرف المخبر , حاولت تغيير الموضوع فسالته:
- ماذا أخبركم الطبيب؟؟
لانت لهجته كثيرا وأحسست بلمحة من حزن حقيقي في صوته وهو يقول:
- انها بخير ولكنها لن تفيق من المهدئ قبل الصباح
كنت أجلس الى جواره في الاستراحة القريبة من غرفة العناية المركزة فضغطت على يده وانا اقول:
- هون عليك يا والدي, شدة زائلة ان شاء الله
صمت لعدة ثوان قبل أن يقول في أسى :
- أرايت كيف طمسوا القضية حتى في نفوس أصحابها؟؟ نحن ندعو للسلام وهم يجندون أبناءنا ثم يقتلونهم اذا انتهوا منهم
عاد المخبر ليقول :
- سيدي هذه معلومات سرية ولا يجوز لك الافصاح عنها
عندها صاح فيه:
- تعسا لكم ولسريتكم, أي سرية وقد تفجرت راس الشاب المسكين وسط الجميع؟؟ أم أنكم تنوون انكار حقيقة ما حدث بدعوى عدم اثارة البلبلة؟؟ البلبلةالحقيقية تحدث عندما نعمى عن أعدائنا الذين لا يغفلون لحظة واحدة
- سيدي أرجوك
دخل الاستراحة عندها رجل طويل القامة , اصلع, يتخلل الشيب شاربه المشذب بعناية وما بقي من شعر رأسه , كان يرتدي حلة أنيقة ويسير بخطوات عسكرية منتظمة, اشار للمخبر ان يعود الى موقعه وتوجه نحوي مصافحا:
- مرحبا د/معتز
لم افاجأ انه يعرفني ومع ذلك فلم أنبس ببنت شفة وأنا أنهض من مقعدي واصافحه , كنت اشعر أني اعيش احد الأفلام البوليسية وكان هذا يجعلني مبهوتا تماما من كل ما يجري من حولي مهما كان متوقعا أو طبيعيا
اتخذ الرجل موقعه الى جوارنا وقال بصوته الواثق:
- منذ أكثر من عام ونحن نراقب شهاب, كنا قد اكتشفنا وقتها مصادفة أنشطته التجسسية وعلمنا أنه يدير شبكة تجسس واسعة جميع اعضائها من طلبة جامعات مصر المختلفة, لم تكن لدينا معلومات محددة عن اعضاء هذه الشبكة ولا عن طريقة تجنيدهم ولا طرق الاتصال بينهم, ولهذا اخضعناه لمراقبة مكثفة ولكن ظل لدينا نقص شديد في المعلومات بل وحتى في الأدلة التي تمكننا من اعتقاله
أومأت له برأسي فتابع :
- عندما بدأ علاقته بعلياء توقعنا أنه سيحاول تجنيدها , بحكم صداقتي لوالدها كان لزاما علي تحذيره أولا وثانيا الاستفادة من امكانية مراقبة علياء مراقبة كاملة لنتعرف على الوسيلة التي يجند بها شهاب أعضاء شبكته. ولكن شهاب لم يكن يرغب في تجنيدها , لقد أحبها في الحقيقة.
تابعت الحكاية بكل حواسي وبدأت اتساءل عن سبب كشفه لما وصف بالأسرار منذ دقيقة
- ربما بدا مرحلة من المراجعات الذاتية وقرر العيش عيشة شريفة, او أن الموساد أدرك أنه يوشك أن يسقط في الفخ الذي ننصبه له, لسبب او لآخر شعر مجندوه أنه صار خطرا عليهم و قرروا الاستغناء عنه , كانت مهمتنا خلال الشهور الماضية حي محاولة تامينه وكذلك محاولة اسقاط الشبكة أثناء مرحلة انتقال القيادة الوشيكة ولكنه بتصرفه المتهور هذا الصباح أفسد جميع خططنا, ما لا تعلمه أنه في نفس الوقت الذي اغتيل فيه تم حرق شقته وتحويلها الى رماد لينتفى معها أي طرف خيط
- ولماذا لم تقوموا بتفتيشها منقبل؟؟
- بالطبع فعلنا ولكنه ليس بالسذاجة التي تجعله يترك دليلا ضده في مسكنه
- لماذا اذن تم حرق الشقة الأن؟؟
- هذا ما جئتك بشأنه
نظرت اليه مهتما فقال:
- هناك احتمال انه ربما تعمد ترك دليل خاصة أنه كما يدل تصرفه صباح اليوم كان ينوي أن يسلم نفسه, وهناك احتمال آخر أنه كتب اعترافا شرح فيه كل شيء.
- وتركه في شقته؟؟
- لو فعل لكان بالغ السذاجة, ومع ذلك كان لابد من حرق الشقة من باب الاحتياط
- لا افهم
- لقد أخفى شهاب اعترافاته في مكان ما بالخارج ولقدأخبرك به بالأمس
- ماذا؟؟
- كان بالأمس امتحان فرقته في المادة التي تدرسها
- أجل
- وقد جاءك مع بعض زملائه ليراجع معك بعض الأسئلة. اليس كذلك؟
- هذا صحيح
- لقد كنت أحد الثقات بالنسبة اليه, بحكم علاقتكما الدراسية وكذلك لأنه كان يعرف أنك صديق لعائلة علياء, الفتاة التي يدين لها بتوبته, لربما أشار وقتها أي اشارة لمكان اعترافاته
صمت ورفعت راسي محدقا في السقف, أيمكن هذا حقا؟؟ ولم لا؟؟ لقد تحول بالفعل الى فيلم بوليسي, اذن علي ان أتذكر جيدا هذا الحوار الذي دار بالأمس..لم يكن وحده ولم أكن منتبها جدا في الحقيقة , يصعب علي التذكر والاصعب أن أحدد قائل كل عبارة أتذكرها
- يمكنك أن تفكر مليا وتعتصر ذاكرتك الى ابعد حد, وعندما تتذكر أي شيء اتصل بي
قالها وهو يناولني بطاقة تعريف جديدة ولكني هتفت:
- أجل , أجل لقد أخبرني أين يخفي اعترافاته , ياله من ماكر, من يصدق أنه يفعل ذلك
*****
لم أتمكن من حبس دموع حارة سالت على وجهي وانا اتطلع الى انعكاس الوان الغسق على صفحة النيل عبر نافذة الاستراحة بالمستشفى, بالامس كان معي كان يضحك كما لم اره يفعل من قبل, كان جسدة اكثر انبساطا وكان يبدو أكثر اقبالا على الحياة ..أو أكثر استعدادا للموت. راجع معي الامتحان سؤالا بسؤال كعادته, من كان يصدق انه لم يكتب حرفا واحدة كإجابة لهذه الاسئلة وإنما أجاب في كراسته على اسئلة أخرى كان يعلم أنها أهم , ذكر لي اجابة مطولة عنأحد الاسئلة, قلت له مازحا :
- المطلوب رأيك فقط وليس قصة حياتك
- أنا كتبت قصة حياتي , أعلم انكم ستحتاجون اليها
اعتبرتها مزحة وضحكت , لم أتخيل انها كانت اشارة صريحة لمكان اعترافاته, كم يدهشن أنه تمكن من ادارةالحوار ليخدم هدفه, لقد تلقى تدريبا هائلا
اتصل الرجل الاشيب بأحد رجاله في الجامعة , تستغرق عملية نزع البطاقات عن الكراسات ووضع الارقام السرية بعض الوقت.
وقف الرجل الاشيب من خلفي وقال:
- كان خائنا وقد نال جزاء خيانته
التفت نحوه وقلت بسرعة :
- لا..شهاب لم يكن خائنا , بل العالم كله خانه من قبل, خناه بالتهاون فالتخاذل ثم الانكسار, ماذا تنتظرون من شاب نشأ في وطن محتل , يتعامل بالشيكل او الدولار, طعامه معونات انسانية, وتحدد حركاته قوانين الحصار؟؟ أنى له أن يؤمن بقضية تتلقى كل يوم صفعة هزيمة فضلا عن أن يتمسك بها. لقد نشأ في رام الله حيث حكومة صورية تسمى سلطة وحيث حوصر الرئيس الذي لم يخلع عقاله حتى الممات, لعل صديق له مات برصاصة لهو من مستوطن سفاح, أو عزله الجدار عن باقي اهله أو مات أحد أجدادة متشبثا بآخر اشجار الزيتون وهي تقتلع من ارضه . هل تعلم سيدي ما اول ما يحتاجه الانسان بعد طعامه
وشرابه؟؟.. انها الكرامة .. ولكن شهاب كان حتى طعامه وشرابه خال من الكرامة
- كل هذا ليس مبررا للخيانة
- ولكنه اكبر سبب للتيه والضياع والمرء اذا فقد وجهته كان كالريشة تتقاذفها طبقات الهواء وتحملها في اتجاهها الرياح الاقوى. قل لي: من الأقوي؟؟
- الحق دائما هو القوي, والقضية العادلة
- أمثال شهاب لا يميزون الحق ولا العدل وسط كمية البهتان والظلم المحيطة بهم
- وكأنك تدافع عن كل خائن
عدت للنظر عبر النافذة وانا أقول
- الخائن لا يستحق اي دفاع , والضحية لا يستحق منا أن نصفه بالخائن
صمت الأشيب وامتصتني امواج النيل التي تنساب في هدوء وكأنها تتنزه بين الضفتين , لماذا لا تثور هذه الامواج اتراها يرضيها ما تراه عن يمين وشمال؟؟ أم انها يأست وءامنت بعجزها عن التغيير ؟؟ أم عساها تقول مثل كثير منا"هذه هي مصر" ..ولكنها لم تعد مصر وحدها..عندما تلتقين بالبحر سلي أمواجه التي جابت العالم والتقت أنهارا وبحورا شتى ورأت شعوبا وشهدت حضارات شتى..سليها وسلي نفسك كم من يائس ألقى نفسه بين الأمواج؟؟ ثم عودي فاخبريني: ماذا يتبقى للمرء ان فقد اعتزازه بنفسه؟؟ ولد كل انسان ليكون امبراطورا على درجته, ليكون آمرا مسيطرا ومجيدا ولو على نفسه, ماذا ان وجد نفسه قصيرا عن اعتلاء العرش؟عاجزا عن القبض على الصولجان , يسقط التاج حتى أنفه؟؟ سلي البحار يا امواج النيل وعندما تعرفين الجواب عودي فاسقيه لكل من يرتوي منك.
رن هاتف الرجل الأشيب فالتقطه بسرعة وجاوب محدثه ببعض العبارات المبهمة , عندما أنهى المحادثه سالته باهتمام:
- هل حصلوا على الاعترافات؟؟
- لا تتخيل أبدا أنك الاذكى او انك فكرت فيما لم يفكر فيه خصمك
- ماذا تقصد؟؟
- أحدهم يهمه ما حصلنا عليه, ثمة مطاردة على الطريق الدائري
- ولكنكم كنتم تتوقعون ولابد أنكم مستعدون..أليس كذلك؟؟
استدار وقال وهو يبتعد بخطواته الواسعة :
- الاستعداد الكامل لأي احتمال مستحيل عمليا , لا أحد يعلم الغيب
- ماذا يعني هذا الكلام؟؟
قال وهو يغادر الاستراحة دون أن يلتفت:
- عد للتأمل ولتدع ربك
رن هاتفي انا هذه المرة, أجبت محدثي بصورة آلية دون حتى أن أعرف المتصل:
- الو
- اني عائد يا معتز, لن أكون نابليونا وسأهزم أي نابليون يسطر على تفكيري وأفعالي , أليس اليوم يوم هزيمته؟؟ سأهزمه في داخلي ولن أنهزم مثله...اني عائد, أبلغ أمي وأبي أني عائد , ساذهب للسفارة المصرية لأسلم نفسي واعود الى أحضان وطني
وانتهى الاتصال, لقد كان أشرف.
وفي غمرة كل هذه الأحداث تهاويت على أقرب مقعد وانا أزفر زفرة عميقة, طويلة , وملتهبة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق