الاثنين، 6 ديسمبر 2010








ولد كل انسان ليكون امبراطورا على درجته, ليكون آمرا مسيطرا ومجيدا ولو على نفسه, ماذا ان وجد نفسه قصيرا عن اعتلاء العرش؟عاجزا عن القبض على الصولجان , يسقط التاج حتى أنفه؟؟








أشرف


لم يقم العرض التمثيلي لمعركة ووترلو هذا العام ومع ذلك فقد قصد ساحة المعركة عدد كبير من السائحين وقفوا يتأملون مسترجعين في خيالاتهم مشاهد قرأوا عنها في كتب التاريخ, آخرون انهمكوا في تصوير الموقع من زوايا مختلفة أو التقاط صورا تذكارية وهم يدسون يمناهم بين ازرار سترتهم.
توغلت في الساحة, أتخيلني في قلب الوطيس , انعزلت عن كل ما حولي وغمرتني ضوضاء المعركة. لم أنم منذ اسبوع فقد كان يوسف محموما بشدة وغائبا عن الوعي عدا لحظات يملأها بهذيان لا يفهم أحد منه شيئا. منذ شهور يعاني يوسف نوبات مرضية متنوعة , تزيد او تقل في شدتها , تطول مدتها حينا ولا تتجاوز اليومين أحيانا. خلال الشتاء أصابته هذه الحمى الشديدة عدة مرات , كنت أسهر على رعايته, أغمر جبهته بالكمادات الباردة وأحقنه بالأدوية التي وصفها الطبيب في الميعاد. كان اذا افاق قاومني ودفعني بذراعين واهنين وكنت أميز من بين هذيانه خليط عجيب من الشكر والسباب. اضطررت الى ترك العمل بعد أن كان علي التغيب لأيام طويلة, لم أهتم لهذا رغم حاجتي الشديدة للمال, ولكني كنت اشعر أن حياة شخص ما صارت مرتبطة بما سأقدمه له من رعاية, أنا وحدي أدرك حقيقة مرضه , نحل جسده بشده واسود وجهه من الهزال. بعد فترة لم يعد يقاومني , وبعد أن فقد عمله هو الآخر صار يؤثر مجالستي ولكن دون أي  حديث.
في تلك الفترة أرسل الينا شحتة النخاس من يعيد اكمال الدستة وكأنه يابى الا أن تكتمل, كان ظروفه تختلف عنا جميعا, فهو ناشط سياسي ملاحق من قبل الجهات الأمنية في مصر , جاء متسللا عبر الحدود بطريقة غير شرعية, كان  كذلك الوحيد بيننا الذي يعلم لماذا أتى وماذا سيفعل. قال أنه يعرف ناشطة في احدى منظمات حقوق الانسان  تدعى جيسيكا, لقد استضافها في بيته فترة اقامتها في مصر بعد مظاهرة العام الماضي, تربطهما صداقة وستساعده. أرسله الحزب أو رئيس الحزب بمعنى أدق بتمويل كبير يكفي لاصدار جريدة و اطلاق قناة فضائية تناديان بالحرية والديموقراطية. عرض علينا العمل معه, البعض وافق على الفور وآخرون آثروا السلامة والابتعاد عن السياسة , فهم لا يزالون يحلمون بالعودة الى الوطن. 
قلت له: 
- لماذا ندس بأيدينا انوف الآخرين في شئوننا ؟؟
- ماذا تعني؟؟
- لماذا لم تعبر أنت وحزبك عن ر أيكما في بلدك, لماذا لم تناديا بالحرية والديموقراطية من أحد منابرها؟؟
- لو لم نكن قد فعلنا لما كنت انا هنا الآن
- وهذا هو السؤال الذي يحيرني, لماذا أنت هنا؟؟ اذا كنت صاحب دعوة فلم لا تتحمل المصاعب لأجلها
- عزيزي ألم تسمع عن المعتقلات؟؟
- المعتقلات لن تكفي الجميع
- من الواضح انك لم تمارس نشاطا سياسيا في حياتك
- اذا كنت تقصد الخروج في المظاهرات والاشتباك مع رجال الأمن فأنت محق
- أنا هنا لاكون في مناخ اكثر حرية 
- انت هنا لتهرب من الرقابة, ربما لا تفهم هذا ولكن الم تسأل نفسك من اين يأتي هذا التمويل الهائل؟؟
- هناك رجال أعمال كبار منضمون للحزب ومؤمنون بمبادئه 
- لم لا يمولوا حملات دعائية للحزب اذن ؟؟ لم لا يضغطون بما لهم من نفوذ وثقل اقتصادي , لم لا ينفقون هذه الأموال على توعية الشعب؟؟ عزيزي انها لعبة مصالح ليس اكثر , ثمة من له مصالح في معارضة الحكومة بهذه الطريقة واذا انعدمت هذه المصلحة أو سقط صاحبها فسيسقط كل من وراءه
- هذا كلام لقنكم اياه رجال النظام الفاسد
-  أو لقنك اياه رجال حزبك الذين لا يقلون فسادا بأي حال  
لم نتفق , تركته وما يفعل بعد شهر واحد ترك المسكن ورأيناه بعدها يجول بسيارة فارهة في شوارع بروكسل ويظهر يوميا على شاشات التلفاز يتحدث بلغات عدة, هل هو  نابليون جديد؟؟ أم أن أمثاله يصنعون من مصر كلها نابليونا كبيرا, هناك نابليون داخلنا يوهمنا أننا عاجزون وأن هناك من هو أقدر منا على ادارة مصالحنا, انه نفسه الذي  يرينا الفشل ويخبئ عنا النجاح, وهو من يدفعنا الى التهور والاندفاع خلف أماني باهتة أو أحلام مبهمة , لأننا لا يمكن أن نعيش كنابليون.
لماذا لا ننفي نابليون الى أقصى مناطق وعيناأو نقتله تماما ونتخلص منه؟؟ ولكننا نتركه يعيش يملي علينا كل يوم ما يدمرنا ولا يبنينا .. في الجمعة الفائتة وقف عزيز يخطب فينا , أخذ يذكر مآثر الصحابة والسلف التابعين ثم يصر على عقد مقارنة غير متكافئة بينهم وبيننا ليخلص في النهاية الى مدى الضلال الذي صرنا اليه. هل يتوقع أن يتعظ أحدنا بهذه الكلمات المحبطة؟؟ ماذا دهانا؟؟ 
- مرحبا أشرف, توقعت أن أجدك هنا
-  فهيم؟؟ 
-ما عدت فهيما لأي شيء
-  ما الأمر؟؟
- كنت محقا 
قالها وناولني الصحيفة..كانت احدى الصحف المصرية وكان الخبر الذي يتصدر صفحتها الأولى هو فضيحة فساد كبرى يتورط فيها رئيس أحد أحزاب المعارضة وعدد من رجال الأعمال , أدركت على الفور ما حدث..
- ادارة الجريدة والقناة متورطة هي الأخرى , لقد صرت مطلوبا من الانتربول
- لقد حذرتك
- منذ مدة وأنا ألاحظ اشياء مريبة, تذكرت كلامك لكني كذبت نفسي
- وماذا ستفعل الآن ؟؟
- لست ادري.. كل شيء من حولى وكأنه تلاشي, وكأنني وحيد وحيد في صحراء التيه الأبدي, لا اصدق أن من كان رمزا لمحاربة الفساد ومثلا وقدوة في نظري يكون واحدا من أكبر الفاسدين , لا اصدق أنني طوال هذه الفترة كنت مجرد أداة وأنا الذي كنت اجأر بالهتافات من أجل الحرية 
- اسمع لا ملاذ لك سوى مسكننا , هناك لن يصل اليك أحد
- أريد أن أعود الى وطني,..أريد ان أعود الى مصر
- ربما ليس هذا وقتا مناسبا
خفض رأسه في انكسار,تمتمت:
- الامبراطور الحقيقي يؤمن بمجده ومجد أمته, فيكون مجده وسيلته لانجاز الأعمال العظيمة, أما الامبراطور القصير فسيظل طوال حياته يبحث عن المجد 
- وعندما يرهقه البحث, وتقطع المطاردة أنفاسه, يقف لاهثا, , يرى المسافة بينه وبين ما يبغي طويلة , يطلب العون من ملوك طامعين, فيزداد قصرا ..
- .. أو يدركه الياس, فيهمل كل شيء ولا يعبأ بأي شيء, يصبح الليل كالنهار والصيف كالشتاء والجوع كالشبع , الأيام متشابهة , تكرارات لنفس ايقونة الشقاء والذل ..
- .. وتصبح الهزيمة حتمية 
-  وقد تصبح ضرورة
نظر الي مستوضحا..
- اذا كان لا مفر من الهزيمة الماحقة فلتكن هزيمته لنفسه, ليهزم الامبراطور الذي هو كائنه ويسمح لامبراطور جديد بالانتصار, امبراطور ممتلئ بالعزة والكبرياء, ممتلئ بالمجد , وقتها لن يكون هناك حاجة للمطاردة , سيشيد قلعته في موضعه ويبني حولها أجمل مدائن الأرض
تأوه نادبا , وقفت ..جذبته من ذراعه
- هيا بنا
- الى اين؟؟
- الى مسكننا ستختبيء 
-  الى متى؟؟
- الى أن تغادر البلاد
- اذن سأعيش باقي حياتي مهزوما , لا يا أشرف, سأعود الى مصر ,وانت أيضا لابد أن تعود وكلنا لابد أن نعود , ان لم يسعنا وطننا فلن تسعنا الأرض جميعا
- والله ما ضاق بنا وطننا قط ولكن ضاقت عنه صدورنا 
- اذن لنعود,..لا أخشى السجن او المعتقلات, يكفي أن اتنشق هواء بلادي 
لم أجبه, استطرد:
- لنهزم اباطرتنا, أليس هذا كلامك منذ لحظات؟!!
انه محق ولكن منذ متى والفعل مثل الكلام؟؟ الكلام يسير ينساب من فرجة بين الشفاة والفعل محبوس دائما داخل جسد مصمت, أتوق الى العودة ولكني لا أملك الشجاعة , لا أدري لماذا..قلت له ان الأمر يحتاج الى التأني , تركني ورحل , قال انه سيذهب الى السفارة ويسلم نفسه. تأملته وهو يمشي مبتعدا بخطوات مهتزة لا أدري أمن توتر أو من فرح. وددت لو صحت بأعلى صوتي :" انتظر, خدني معك " ولكن لساني ألجم بالف لجام خفي 
عدت الى المسكن , لم يكن هناك سوى يوسف, هالني حاله, لقد عاودته الحمى , هرعت أعد الكمادات الباردة وحقن الدواء, كان علي أن أتصل بالطبيب ولكن لا يمكن أن أترك يوسف وحيدا. أفاق للحظات, هذى هذيانا لم افهمه ,فقد وعيه مجددا, حرارته لاتزال مرتفعة, جسده يرتعش بشكل مخيف.
اقتحم محمود المسكن فجأة..
- اهرب حالا, الشرطة تداهم الحي 
- ماذا تقول؟؟
قال وهو يجمع أغراضه بسرعة 
- اجهضت الشرطة بالأمس هجمة ارهابية يقولون أن منظمها يختبيء في هذا الحي, الشرطة تداهم المنطقة وتعتقل كل من تشتبه بأمره
تجمدت ذاهلا صاح في:
- هيا ماذا تنتظر , اجمع ما له قيمة من متاعك واهرب حالا, اسمع انا أعرف مكانا آخر يمكننا السكن به ويمكننا التسلل الى بريطانيا بمساعدة صديق تعرفت عليه مؤخرا
- ويوسف؟؟
- لا وقت لهذه العواطف, اذا قبضو عليه سيرسلوه للعلاج , سيكون في مكان أفضل من هذا العفن 
بقيت على جمودي وسكوني , صرخ محمود:
- ماذا دهاك ؟؟ تحرك والا تركتك 
صمت لثوان ثم قلت :
- اذهب يا محمود, لن اذهب معك 
تمتم بعبارة لم افهمها وهو يحمل حقيبته ويغادر مسرعا, أفاق يوسف , تمتم بصوت واهن:
- اذهب يا اشرف , اذهب معه واتركني
هتفت في فرح:
- الف سلامة يا يوسف 
كرر وعيناه تزيغان مرة أخرى :
- الحق به يا أشرف, دعني وشأني ..
- لا لن أدعك يا يوسف
غرق مرة أخرى في الغيبوبة , لا تزال حرارته مرتفعة ولابد من الاتصال بالطبيب, نزعت عنه ملابسه بللت جسده كله بالماء المثلج , أعطيته حقنة جديدة لخفض الحرارة , تركته وخرجت أهرول نحو أقرب كابينة تليفون عامة , أخبرني الطبيب انه لن يستطيع القدوم لأن الحي محاصر تماما , أدركت أنني لن استطيع الخروج كذلك ولعل محمود ايضا لم يستطع ذلك, اذن ساعود الى مصر موقوفا وكان من الممكن أن أعود بكرامتي لو ذهبت مع فهيم , أي هزيمة جديدة تلك لامبراطوري الحقير؟!! اذن لأجمع ما تبقى من فتات كرامته, اتصلت بمعتز وأخبرته أني عائد بمحض ارادتي, لم اجرؤ على الاتصال بغيره , لا أحتمل أن أكذب عليهم كذبة جديدة 
عدت الى المسكن, تسليت بمحاولات اسعاف يوسف حتى وصلت قوات الشرطة. 
حمل يوسف في احدى عربات الاسعاف  واقتادني جنديين الى عربة ذات زنزانة خلفية. عندما كان يفيق يوسف كان يكرر عبارة واحدة ميزتها بصعوبة " اتركني فقد خسرت كل شيء,..حتى الشرف"