الجمعة، 3 سبتمبر 2010

أشرف

رفض معتز أن أرافقه في عودته الى الفندق ,قال أنه يعرف الطريق وأني يجب ان أرتاح لأني تعبت كثيرا اليوم . ركب الحافلة وقبل أن تغلق بابها التفت نحوي وقال:

- صدقني يا أشرف مكانك ليس هنا

أشرت له بيدي مودعا وكذلك فعل وهو يتجه نحو مقعد شاغر. يظنني لا أقول لنفسي هذه العبارة في كل يوم الف مرة , ولكن هل وجدت لنفسي مكانا هناك ثم تركته؟!! يظنني انا من اختار غربته ولكن غربتي الحقيقية كانت هناك حيث كل الأماكن فقط لمن يملك الثمن, او يملك السلطة التي تخوله الحصول على الثمن ولو بالجباية والقهر وجهارا نهارا .

أو من يملك مفاتيح شهوات الناس التي أكفأها الاحباط على اشباعها. أم يظنني كما تردد قنواتنا الحكومية وصحفنا القومية؛ عبدا للمال اسعى وراء حلم ثراء سهل وسريع. ولكن الحقيقة أني لست ايا من كل هؤلاء, أنا مستعد للكفاح حتى أحقق ما اريد ولكني لا اقبل أن أتعذب ثم لا أحصل على أيا مما اريد.

أه ثم آه ثم آااااااااااه

زفرت زفرة ملتهبة ثم توجهت الى متجر قريب واشتريت بطاقة استخدام الهاتف العام, ستبدأ امتحانات الثانوية العامة في مصر بعد أيام و أريد الاطمئنان على شقيقتي علياء التي ستخوض امتحانات المرحلة الثانية,...أااااااه كم افتقدها تلك الصغيرة الجميلة واشتاق لواحدة من جلساتنا أو نزهاتنا معا.

تنهدت مرة أخرى وأنا أدس البطاقة في الفتحة المخصصة لها وتحركت أصابعي على المفاتيح بترتيب أحفظه بطبيعة الحال وبعد ثوان سمعت صوت امي, كانت قد تنبأت بأني أنا المتصل بقلبها أولا ثم بعينها عندما قرأت الكود الدولي على جهاز التليفون. أتاني صوتها الملهوف:

- أشرف!!..ازيك يا حبيبي ..عامل ايه يا ابني؟؟

كانت تلاحقني بالاسئلة عن صحتي واحوالي وكانت تدس بين أسئلتها الدعوات ولم تترك لي اي مساحة للرد والمؤكد أنها لم تكن تنتظر مني أي رد, أعلم أن فيض لسانها ليس سوى تعبير عن فيض مشاعرها الصادقة المطلقة التي لا تنتظر أي مقابل ولا تحتاج الى تجاوب. تهدج صوتها سريعا ثم غلبها البكاء أو أنها استسلمت له . وأتاني صوت ابي ,الصارم الفاتر كالعادة, يحييني ويسألني عن صحتي وأحوالي أيضا ولكن بعبارات موجزة ومحددة ومرتبة ترتيبا عسكريا يليق بضابط سابق بالجيش, وكان دوما ينتظر الجواب ويختم بدعوة أعلم أنها مخلصة وصادقة وان كانت لا تبدو كذلك.

أوشك أن ينهي الاتصال ولكني طلبت أن أتحدث الى علياء فسمعت صوت أبي يناديها بصرامته المعهودة وخيل الي أني أسمع وقع قدميها وهي تجري من غرفتها الى الصالة حيث جهاز التليفون الوحيد بالمنزل وتصورتها بقامتها القصيرة و بيجامتها الخضراء التي تتفاءل بها وقت الامتحانات وشعرها الأسود الفاحم يتراقص حول راسها ثم لا يلبث أن يهدأ ويستقر على ظهرها عندما تتوقف وتلتقط السماعة من يد ابي وتقول بلهفة :

- أشرف ..ازبك .. وحشتني أوي

سمعت ابي ينهرها في حدة قائلا:

- تحشمي وانت تتحدثين الى اخيك الكبير

قلت لها:

- دعك منه أنت أوحشتني أكثر ايتها الشقية الصغيرة, هل انت مستعدة للامتحانات

- مستعدة تماما وسأحقق مجموعا يؤهلني للالتحاق بكلية الأداب لغة فرنسية مثلك يا اشرف

- ان شاء الله حبيبتي

سمعت صوت نجيب شقيقي الأصغر الى جوارها يطلب التحدث الي فقلت لها:

- دعيه يتحدث واذهبي انت لاستئناف مذاكرتك

- حاضر ,... باي باي

جاوبتها بنفس تحيتها وقبل أن أتمها سمعت صوت نجيب الصغير الذي يضحكني لسبب لا أفهمه شخصيا.

سألته عن أحواله وصحته وعن نتيجة امتحاناته واطمأننت لأنه نجح وسينتقل الى المرحلة الاعدادية

ضغطت على زر طلب خط جديد بعد أن ودعت نجيب وتحركت اصابعي بترتيب مختلف لتطلب رقما يعني الكثير بالنسبة لقلبي. أتاني صوتها العذب بغير التحية ولكن بنهر في شكل عتاب متدلل:

- ثلاثة ايام كاملة دون اتصال؟!!...أنا غاضبة منك

قضيت ثوان في مصالحتها, واطمئننت على أحوالها وطمأنتها على احوالي وأخبرتها أني أخيرا وجدت عملا. كانت وفاء ولا تزال من اشد المعارضين لفكرة سفري حتى انها هددت بفسخ الخطبة ان انا أقدمت على هذا ورغم أني كنت متأكد من أنها لن تفعل إلا انني تدليلا لها وحفظا لكبريائها كلفت نفسي عناء محاولات اقناعها ولكنها لم تقتنع بل رضيت على مضض وعلى أن تلح علي في كل اتصال أن أعود.

أكثر ما يعذبني في غربتي هو بعدي عن قرتي عيني؛ اختي علياء وخطيبتي وفاء, ودائما أخرج صورتيهما اذا اشتدت بي الوحدة او هاج علي همي, الطريف أن وفاء تعلم هذا وتغار بشدة من علياء وتعتبرها شريكة في قلبي تبلغ درجة المنافس وهي لا تقبل المنافسة ولا الشراكة في هذا الامر. وكلما أظهرت غيرتها كلما ازددت حبا لها وتعلقا بعلياء .

تساءلت في نفسي وانا أغادر الكابينة, متى سأعود اليهما يا ترى؟؟

*****

استيقظت كالعادة قبل شروق الشمس على صوت عزيز وهو يؤذن لصلاة الفجر, في الحقيقة لم أتعود أن أقوم لصلاة الفجر في مصر وفي اول ليلة قضيتها في علبة السردين هذه لم أستطع النوم اصلا و كان أذان عزيز اول شيء جميل اقابله منذ غادرت بلادي. شعرت به ينفذ الى أعماقي بقوله الله أكبر ثم يزرع فيها قاعدة يقينية لا شك فيها "أشهد أن لا اله الا الله , أشهد أن محمدا رسول الله", حتى اذا وصل الى "حي على الصلاة , حي على الفلاح " شعرت بحماس يدب في اوصالي فلما قال :" الصلاة خير من النوم " وجدتني انزع أغطيتي واتجه الى المرحاض للوضوء برغم برودة الطقس والماء في شهر مارس.

منذ ذلك اليوم لا تفوتني صلاة الفجر مطلقا وربطتني بعزيز صداقة قوية فكنت أحب الحديث معه وأظنه أحب هو الآخر مجالستي فقد افضى لي بالكثير عن حياته السابقة وباح لي بالكثير من اسراره وبواطن نفسه.

أخبرني أنه نشأ بين تسعة أطفال من مثل سنه في أحد دور رعاية الأيتام, لايذكر ابدا انه عرف أما أوأبا غير أولئك القائمين على رعايته في الدار أو الذين يترددون لقضاء "نزهات خيرية" على حد تعبيره. منذ طفولته الأولى شعر بأنه مختلف وبأنه ينقصه شيء يمتلكه كل هؤلاء الذين يرعونه ويعطفون عليه, لم يكن يفهمه بعد ولكنه كان يتضايق من نظرات التعاطف التي تكسو وجوه الزائرين وكان الاهتمام الزائد منهم يزعجه كثيرا , ولكن عندما دخل المدرسة اختلف الأمر.

لقد فهم معنى أنه بلا أم ولا اب حقيقيين , ثابتين , خاصين به وحده, ووجد هذا مدعاة لسخرية وانتقاص اقرانه له وليس تعاطفهم مثل الاخرين في دار الرعاية.

بعض إخوته في الدار أصابتهم الكآبة والانطواء ومعظمهم اضحى عصبيا وعنيفا أما هو فقد توجه الى أمه البديلة في الدار حكى لها عن كل شيء ما حدث وما يشعر به , ما يفهمه وسألها عما لا يفهمه. كانت سيدة فاضلة وكان يحبها ويؤثر مجالستها من بين جميع الأمهات قالت له أنه ليس أقل من اي احد وانه من الممكن أن يكون افضل من الجميع ان هو التزم بالآداب والأخلاق والدين وتفوق في دراسته, وقد التزم بكل ما قالته حرفيا فنال رضا مدرسيه ولكنه ظل غريبا عن اقرانه, فهم أشقياء يهوون المفالب ويرددون السباب أحيانا وكلها أمور تزعج المعلمين وكما فهم عزيز فان من يغضب المعلمة بأفعاله هو شخص سيء لا يجب ان يجالسه أو يصاحبه وبالتالي انعزل عن أغلب اقرانه فلم يشاركهم ألعابهم ولا نكاتهم ووجد نفسه يسقط بغير ارادته في الوحدة والانطواء ومن ثم الكآبة

قطع حكايته وقال لي:

- هل كنت مبالغا أم أن هذا العالم متناقض بشكل لا محدود؟؟ لقد كنت ذا حظوة لدي المعلمات وثقيل الدم لدى اقراني , ولكني اقضي اغلب الوقت مع اقراني وليس المعلمات !! كما أنني لا يمكنني أن أفعل الأشياء السيئة التي يقوم بها اقراني حتى يضموني اليهم. كانت العزلة قدري

حكى لي في يوم آخر عن رفض اوراقه في كلية الطيران لأنه غير لائق اجتماعيا ما اصابه بيأس وقنوط فالقى بأوراقه في كلية التجارة ولكن بعد شهرين حولها الى كلية دار العلوم لأنه وجد نفسه مرة اخرى مع اقران اشقياء وعابثين لا يمكنه التجاوب معهم.

اختلط بالتيار الاسلامي وفي احد المظاهرات لمناصرة المقاومة الفلسطينية تم اعتقاله ولما خرج تجنبه الكثير من الزملاء المسالمين , ومرة اخرى قطع حكايته وقال:

- للمرة الثانية أواجه العزلة بسبب قيمي برغم أن من اعتزلني مؤمن بنفس قيمي ولكن يبدو ان القيم في وطننا مجرد رموز لا يمكن أن تتجسد في الواقع.

أخبرني انه لما تكررت مرات اعتقاله وخصوصا بعد انضمامه للتيار السلفي أصبح ملفه الأمني يلاحقه في كل خطوة فقد منع من العمل في التدريس ومن إمامة المساجد التابعة لوزارة الأوقاف وطبعا كان يتعرض للاعتقال بعد كل خطبة جمعة في اي زاوية او مسجد صغير.

طأطأ راسه وقال:

- كيف لي ان اعيش بهذا الشكل؟؟ أن أغسل الصحون هنا خير لي من أسجن هناك لمجرد أني أشهد شهادة حق

*****

لم ينهض للصلاة الا عدد قليل رغم مبالغة عزيز في رفع صوته بالأذان بل واكثر من هذا فقد عمد بعد فراغه منه الى كل واحد يوقظه على حدة ولكن لم يزد علينا الا واحدا. كنا قد فرغنا من الصلاة وجلس كل منا يتلو التسابيح واذكار الصباح عندما تحرك باب الشقة وظهر من خلفه يوسف مترنحا مبعثر الهيئة تفوح من فمه رائحة كحولية كريهة ,لم يكد عزيز يلمحه حتى رفع صوته بالدعاء:"ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا", ولكن يوسف كان معزولا عن كل ما حوله, تعثر أكثر من مرة في الجثث الممددة على الأرض حتى وصل الى فرشته فألقى جسده عليها ونام للحظته.

أخبرني عنه محمود _وهو من أوائل من سكنوا هذا المثوى_ أنه منذ قدومه لا يتحدث الى أحد ويؤثر الوحدة والانعزال , بطبيعة الحال مكث شهورا طويلة بلا عمل أو هكذا ظن الجميع لأنه لم تكن له مواعيد ذهاب وإياب ثابتة حتى فاجأتهم صورته على لوحة الاعلانات الخاصة بأحد ماركات الملابس التحتية وعلموا وقتها أنه يعمل كموديل أزياء

يتمتع يوسف بجسد رياضي متناسق ووجه بالغ الوسامة ما يؤهله لتلك المهنة بجدارة إلا أنها كما وصفها زملائه (قلة قيمة) وخصوصا في حالة الملابس التحتية. علموا بعد ذلك ان المصنع تملكه عجوز طاش عقلها تغرر بالشباب في سن احفادها وخاصة الذين يعملون في مصتعها ,حاولوا تحذيره ولكنهم كانوا قد تأخروا كثيرا .

لقد باع يوسف فحولته من اجل المال , ولكن ما رايته اليوم يؤكد أنها صفقة قد خسر فيها حياته كلها. لقد اشترته المجنونة الشمطاء كليا فلم يعمل في أي بيت ازياء آخر وصار عبدا لها ولنوبات شبقها المختلة.

هل تدفع له كثيرا الى هذا الحد؟؟ وهل يقدر كل ما يخسره كل يوم بأي مال؟؟

عدت الى فرشتي وجلست مرتكنا الى الحائط أقرا في كتابي أسعى لان أعرف كيف انهزم الامبراطور.

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق