الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

علياء


يبدوا أن صيحتي كانت أعلى مما يجب, فقد سمعت صوت أبي ينهرني من داخل غرفة مكتبه, ولكن كيف كان لي أن آبه بهذا؟!!, بالعكس لقد انطلقت أجري واقتحمت مكتبه وأنا أهتف :
-        لقد حققت مجموع 97% يا أبي!!!
تجمدت في مكاني وأدركت فداحة فعلتي, فطأطأت رأسي وقلت بصوت مبحوح من الخوف:
-        اسفة يا أبي ولكني أريد أن أخبرك أني نجحت
لم أجرؤ على رفع راسي لأرى تعبيره ولكني سمعته يقول بصوت هادئ:
-        ألف مبروك, والآن اذهبي للنوم, لقد تأخر الوقت.
أي احباط هذا . استدرت مغادرة وأغلقت الباب من ورائي, ثم اندفعت الى غرفة نوم أمي , تقلبت في فراشها لما شعرت بدخولي وقالت :
-        هل تريدين شيئا يا عليا؟؟
هل اريد شيئا؟؟, ألا تعرف أنني منذ أيام أنتظر ظهور النتيجة؟؟ ولكن منذ متى وأمي تهتم بغير الطهي والغسيل؟؟ أراهن أنها تحلم الأن بصينية من البطاطس خرجت لتوها من الفرن وقد رصت فوقها قطع الدجاج المحمر.
قلت متمتمة:
-        لا يا أمي , شكرا , تصبحي على خير
لم أنتظر منها جوابا وأغلقت الباب وأنا أغادر الحجرة بظهري قبل أن أتوجه الى غرفتي. وحده نجيب استيقظ لما سمع صيحتي قابلته في الردهة وفي عينيه بقايا النعاس وقال :
-        النتيجة طلعت , صح؟؟
أومأت له برأسي في صمت ولكنه سألني في حماس:
-        جبتي كام ؟؟
ابتسمت وأخبرته بمجموعي فوجدته يصيح هو الآخر صيحة انتصار , ولكنه كان أكثر حرصا بخصوص صوته, ويفتح ذراعيه ليحتضنني فانحنيت أحمله فطبع قبلة على وجنتي قبل ان يفلت من بين ذراعي قائلا :
-        انتظري لحظة
وقفت أنتظر كما طلب مني وقد عادت الي سعادتي التي أحبطها أبوي منذ دقائق. ذهب الى غرفته وعاد يحمل علبة صغيرة ملفوفة بأوراق واشرطة ملونة وقال لي:
-        هذه هدية نجاحك كما أحضرت لي هدية عند نجاحي
تنهدت في دهشة وسعادة معا وأنحنيت آخذها منه وأنا أقبله كما قبلني ولكن ابي غادر مكتبه في تلك اللحظة وسمعته ينادي باسمي في غضب, اعتدلت في وقفتي والتفت نحوه :
-        أجل يا ابي؟؟
-        ألم  أطلب منك أن تذهبي للنوم؟؟ وقد حذرتك من قبل مرارا أن تقبلي نجيب, لقد كبر على هذا التدليل.
-        أنا آسفة يا ابي
-        وأنت يا نجيب , ألن تكون رجلا وتمنعها من هذا؟!!
خفض نجيب راسه ولم يقدر على الكلام فأردف والدي آمرا:
-        هيا اذهبا الى فراشيكما
أطعنا أمره واجمين ومضى هو يدفع عجلات كرسيه نحو غرفة نوم امي. استقبلت لعدة دقائق تالية بعض المكالمات على محمولي من بعض صديقاتي, لأن الهاتف المنزلي يغلق منذ العاشرة في بيتنا, وأجريت انا أيضا اتصالات ببعضهن. تبادلنا التهاني وتشاركنا السعادة ولكني ظللت اشعر أن شيئا ما ينتقص من فرحتي, لم أنم طوال الليل وبقيت أتامل شاشة الحاسب التي تعرض درجاتي العالية في اختبارات مواد الثانوية العامة.
تذكرت اشرف وأنه لو كان موجودا لكان لهذه الليلة معنى آخر , وحده كان قادرا على اتمام سعادتها. تذكرت هدية نجيب فانطلقت اليها أفض الأشرطة من حولها , ورغما عني ذرفت عيني بعض الدموع.
                               *****

لازلت مصرة على أن يشاركني الجميع سعادتي, في الصباح توجهت الى امي في المطبخ قبل أن أذهب الى المدرسة لاستلام ملفي وشهادتي وقلت لها :
-         أنا ذاهبة الى المدرسة يا ماما
-        لماذا؟؟ ألسنا في أجازة؟؟
-        ماما, لقد ظهرت النتيجة وسأذهب لاستلام ملفي
-        والله؟ وعملتي ايه؟؟
قالتها بغير اهتمام وهي تنظم شرائح الجبن الرومي فوق طبق مسطح ولكني تمالكت اعصابي وقلت وأنا أظن أن كلمتي ستقلب الموقف رأسا على عقب وستحول هذه اللامبالاة الى زغرودة عالية كالتي تتردد في بيوت الجيران منذ منتصف الليل:
-        97%
قالت وهي تكسر بيضة على حافة الموقد:
-        جدعة يا بنت
لم أجبها وغادرت مسرعة والحنق يملأني.
وعندما اجتمعنا على الغداء قال لي أبي:
-        والآن ما الكلية التي تنوين الالتحاق بها؟؟
حاولت استغلال الفرصة وانتزاع اي كلمة اعجاب تتناسب مع مجموعي وترضي سعادتي التي تعاني الوحدة في داخلي, قلت بحماس:
-        مجموعي يؤهلني لأي كلية في القسم الادبي , آثار , اعلام , سياسة واقتصاد,...
قاطعني ابي:
-        لا سياسة واقتصاد لا
وأيدت أمي:
-        واحنا مالنا بالسياسة ووجع القلب؟؟ والبنات مالهم ومال السياسة أصلا؟؟ وبعدين ايه كمان إعلام وآثار والكلام الفاضي ده؟؟ شوفي كلية خفيفة كده وأهي اسمها شهادة وخلاص , هي البنت ليها الا بيتها؟!!
كدت أنفجر أو أحطم طبقي فوق راسي وألطخ ثيابي بمحتوياته, ولكني لثاني مرة في هذا اليوم أتمالك نفسي واقول :
-        سألتحق بكلية الأداب قسم لغة فرنسية مثل اشرف
قالت أمي :
-        آاااه اشرف , ياترى انت عامل ايه وبتأكل ايه يا ابني يا حبيبي؟؟
يهيأ لي أن أمي اذا دعت لأشرف فهي تدعو أن يرزقه الله بطاجن من البامية ولحم الضأن!! اكاد أجن في هذا الدار. أنهيت طعامي بسرعة ولجأت الى غرفتي فما لبث أن لحق بي نجيب.
بعد قليل اتصل اشرف,و وكانت خطيبته قد اتصلت بي قبلها وهنأتني, سمعت منه أخيرا أكثر مما كنت أتمنى ان أسمع من ابي وأمي , كان سعيدا جدا ومتحمسا للغاية حتى أنه صاح بصوت عال عندما أخبرته بمجموعي , أخذ يكيل لي عبارات التهنئة لاكثر من ثلاث دقائق , أخبرته أني سأنفذ وعدي والتحق بالآداب فبارك اختياري وأخبرني أن أسأل عن مدرس هناك يدعى معتز المصري وأن ألجأ اليه في اي وقت فهما صديقين.
أخيرا تقاسمت فرحتي مع أحد غيري, في المساء خرجت مع صديقتي المقربة والتي قررت أن تلتحق بنفس الكلية.
ومع ذلك لايزال موقف والدي البارد ينتقص كثيرا من فرحتي, خاصة بعد أن عرفت ان فلانة أهداها أبوها خاتما ذهبيا وفلانة أقامت حفلا صاخبا أما فلانة ....., كفاني تحسرا , هذا بيتي وهذان ابوي ولا املك تغييرهما.
                               *****
استدعاني أبي الى مكتبه فكانت المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها صومعته المقدسة, لم تكن لدي فكرة عن ما يريده ولكني أستبعدت احتمال أن يكون هذا الاستدعاء بغرض التوبيخ, فتوبيخات ابي عارضة عادة وعلنية دوما وبالتالي فهي لا تتناسب مع هذه الجلسة الخاصة المغلقة. ومع ذلك كنت خائفة متشنجة في جلستي أمامه, تربينا منذ صغرنا على الخوف من مجرد مواجهة ابي أو النظر الى وجهه مباشرة فما بالي وانا أجلس قبالته في هذا المكان الذي لم أدخله من قبل قط والذي تحده المكتبات الضخمة المكدسة بكتب عملاقة كلها في المجال العسكري أو السياسي من كل الجهات, وتزينها صور زعماء الثورة الأوائل الراحلون ما يضفي المزيد من الرهبة على المكان والموقف بحد سواء.
قال لي مباشرة وبصوته الهادئ شبه الخالي من اي انفعال:
-        هل فكرتي في ترتيب الرغبات التي ستقدمينها في مكتب التنسيق؟؟
-        أنا انوي الالتحاق بكلية الأداب ومجموعي يؤهلني لها بسهولة
-        ولكنه يؤهلك لكليات أفضل كذلك, اريد أن أقول لك أني لا أمانع التحاقك بالاعلام أو الآثار كما ذكرتي ودعك من كلام أمك, ولكن اياك والسياسة والاقتصاد, سيدرس لك فيها رجال النظام الفاسد أو من يتملقونهم و سيدسون في عقلك كل يوم أفكارهم الفاسدة التي خربت البلد.
-        ولكني يا ابي أحب كلية الأداب واحب اللغة الفرنسية وهذه هي ارادتي الحقيقية
-        كما تشاءين,..يمكنك الانصراف الآن.
هل هذا كل شيء؟؟ أفهم اهتمام ابي منذ بقي ساهرا حتى الواحدة صباحا ليلة ظهور النتيجة مخالفا بذلك مواعيد نومه الصارمة في تمام العاشرة, وعندما بدأ هو الحديث على الغداء, وهاهو اليوم يثبت لي اهتمامه الحقيقي. صحيح أنه صارم وصعب المراس ولكنه أبدا لم يكن قاسيا.
مشكلتي أنني لا يكفيني مجرد الاهتمام, أريد الفرحة , أريد كلمة ثناء أو اعجاب بالغ منك يا أبي, أريد زغرودة منك يا امي وليس ذنبي أنك لم تتعلمي مثل هذه المهارة, أريد تباهيا بي أمام الجيران والأقارب وليس استغلالا لاختياري لكلية متواضعة لينتقص من مجموعي أمام الناس خوفا من الحسد.
هل لزواج سندريلا من أميرها الوسيم طعما ان لم تعلن الأفراح والليالي الملاح بطول المدينة وعرضها , وتعلق الزينات وتنصب الولائم ؟؟
مرة أخرى اعود للتحسر . هاهو نجيب لا يتركني لحظة ويجلس الى جواري أمام شاشة الحاسب يشاركني اختيار الرغبات الاربعين عديمة القيمة بعد ثقتي من تحقق الرغبة الأولى. ألا يكفيني نجيب؟؟
                               *****

يحرص أبي على متابعة البرامج الاخباريةالتاريخية من أمثال (كنت مسئولا) و(شهادة للتاريخ) وكانه يسعى لسد الفجوة التي خلفتها في داخله سنوات الأسر بين الماضي والحاضر. عادة ما يتابع هذه البرامج وحيدا في غرفة مكتبه ولكنها تذاع في وقت الغداء او العشاء فنضطر جميعا الى الاستماع الى مالا يعنينا ولا نفهمه من خلال التلفاز الموجود في حجرة المعيشة. فنحن نتناول طعامنا في حجرة المعيشة لأن الجناح الشرقي من الشقة والذي يضم السفرة وحجرة الاستقبال محظور على اهل البيت دخوله حتى نحافظ عليه نظيفا ومرتبا جاهزا لاستقبال الضيوف, وكأننا جماعة من الهمج نسكن البيت ولن نلج مكانا الا أفسدناه وجعلنا عاليه سافله مع أن غرفتي تشهد بغير هذا حتى انني استقبل فيها صديقاتي , حتى نجيب الصغير لم يكن ابدا فوضويا ولا مهملا.
أقول أننا كنا نشارك ابي أحيانا مشاهدته لهذه البرامج التاريخية وكنت احيانا أتأمل نظرات أبي الى الضيف الى الضيف فادرك أنه كان يعرفه معرفة شخصية فيما مضى, برغم ثبات نظراته أرى فيها اعجابا بالانجازات التي يرويها بعضهم أو تكذيبا لروايات آخرين.
قبل أن يسافر اشرف كانا يتبادلان التعليقات وتستمر المناقشة بينهما لعدة ساعات بعد انتهاء عرض البرنامج وكان حديثهما دوما يدور حول موضوع واحد هو ما آل اليه حال البلد من فساد مستشر وفوضى عامة, ولهذا كان لأشرف حظوة خاصة عند ابي حتى انه كان يدعوه لمشاهدة البرامج معه في غرفة مكتبه.
أما الأن فهو يتابعها وحيدا واذا حدث وتابعها في حضورنا فهو يكتفي بعد الحلقة ببعض العبارات الساخطة دوما والمتهكمة أحيانا. من الواضح أنه بفتقد اشرف وأحمد الله انه لم يتخذني خليفة له. لكنه صار يخصني بعض الأحاديث بعد أن دخلت الجامعة وبالتحديد منذ ذلك اليوم الذي استدعاني فيه الى صومعته أقصد مكتبه, من الواضح انه اعترف بكينونتي بعد أن كنت نكرة من قبل.
لم يكن يطيل الحديث معي كما كان يفعل مع اشرف ربما لانه لم يكن يجد مني تجاوبا كالذي كان يجده منه وربما ايضا لأنه لا يتحدث الي فيما كان يحدث فيه أشرف والمرة الوحيدة التي ذكر لي فيها السياسة كانت تحذيرا من الانخراط في اي نشاط سياسي داخل الجامعة أو خارجها, لقد ادرك ابي أنني كبرت واقبلت على عالم مفتوح ولهذا كان يبثني من خبراته من خلال أحاديثه معي. برغم صرامة ابي وجفاء طباعه الا انه شخصية متفتحة وذكية , وما ادهشني شخصيا أنه شخصية رومانسية للغاية.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها دموع ابي والتي أرى فيها ايضا تلك الزهرة الجافة التي كانت حمراء يوما ما على ما يبدو والتي تسكن ديوانا شعريا منذ أكثر من نصف قرن.
حكى لي يومها عن حبه الأول وعن حبيبته الجميلة وعن احلامهما معا التي بددتها سنوات الاسر الطويلة. لقد أصبحت زوجة لأحد الرجال المهمين في الدولة ومع ذلك فقد اهتمت بارسال بطاقة تهنئة بعد عودته من الأسر. لا يمكنه ان يلومها, هو نفسه لم يكن يظن أنه سيعود يوما, هكذا قال وهو يحاول حبس دموعه التي تسربت رغما عنه من بين جفنيه.
بعد تقاعده الاجباري سافر الى مسقط راسه وقد عزم أن يستقر هناك ولكن ابناء عمومته كانوا قد يأسوا من عودته أيضا فلم يحفظوا ميراث ابيه. تظاهر ابي لما علم بهذا بأنه قد جاء في زيارة عادية ولم يحاول استرداد حقه ولم يعرضوا هم عليه ذلك. تزوج من ابنة عمه التي مات عنها زوجها قبل عام وعاد ليستقرا معا في القاهرة.
تقول امي انها لم تحب احدا الا أبي وأنه كان يؤلمها حبه لغيرها, وبرغم زواجها من غيره الا انها ظلت تحبه ولذا كانت سعيدة جدا عندما عاد من الاسر وتزوجها.
هل كان ابي يدرك هذا؟؟ هل قرر أن يسعد قلبها بع ذاق هو الآخر جرح الهوى؟؟ اعتقد هذا. فبرغم أن ابي لم يحب امي قط كما فهمتمن حديثه ولكنها تقسم أنه يذوب في هواها.
أضيف الى صفات ابي أنه ماكر أيضا.
                               *****       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق